سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء التاسع والتسعون: السرعة الإحداثية ومعنى ثبات سرعة الضوء في زمكان مينكوفسكي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
21/03/2026
إن اختلاف اختيار الساعة المرجعية، ووحدة الزمن، ونقطة الصفر الزمنية، وكذلك اتجاه محاور المكان، يؤدي بطبيعة الحال إلى ظهور عدد كبير من أنظمة الإحداثيات اللورنتزية المختلفة. فكل نظام من هذه الأنظمة لا يُمثل “حقيقة” مختلفة عن الآخر، بل هو انعكاس مباشر للاختيارات التي قمنا بها عند بناء شبكة الإحداثيات في الزمكان. هذه الاختلافات ليست عشوائية، بل تعكس التوافق الداخلي بين اختيار الساعة المرجعية، ومقياس الزمن، والمحاور المكانية، وكيفية ربطها مع الأحداث القابلة للرصد.
ومن المهم هنا أن نوضح الموقف المنطقي بدقة. فعندما قدّمنا في البداية مفهوم إحداثيات لورنتز، لم نربطه بأي إجراء فيزيائي عملي، بل استخدمناه كأداة رياضية تجريدية لوصف البنية الهندسية لزمكان مينكوفسكي كان الهدف آنذاك هو التعبير عن هذه البنية بشكل منظم وواضح، بحيث يمكن دراسة علاقاتها الداخلية والقوانين الهندسية التي تحكمها، دون الحاجة إلى معرفة كيفية تطبيقها عمليًا على أجسام أو أدوات قياس فعلية.
بعد ذلك، قمنا بخطوة أساسية تمثلت في ربط هذه البنية الهندسية بسلوك المادة القابلة للرصد، وذلك عبر مجموعة من المبادئ الفيزيائية المحددة: قانون الضوء، وقانون العطالة النسبي، وفرضية الساعة. هذه المبادئ ليست مجرد قواعد نظرية، بل هي أدوات تمكننا من ترجمة البنية الهندسية المجردة إلى نتائج يمكن قياسها تجريبيًا. على سبيل المثال، من خلال هذه المبادئ نستطيع تحديد أي ساعة تسير بعطالة، وكيف يمكن استخدام الضوء لتحديد موقع الأحداث بالنسبة للساعة المرجعية.
ثم أوضحنا أن قبول هذه المبادئ يتيح لنا بناء إجراء فيزيائي واضح، يعتمد فقط على الساعات المثالية التي تتحرك بعطالة، وعلى أشعة الضوء في الفراغ، ومن خلاله يمكن تعيين إحداثيات لورنتزية على الزمكان بشكل عملي. وبهذا لم تعد الإحداثيات مجرد رموز رياضية، بل أصبحت مرتبطة بإجراءات قابلة للتطبيق والرصد، حيث يمكننا — افتراضياً أو تجريبياً — تعيين كل حدث في الزمكان بواسطة ساعة معينة ومسار محدد للضوء.
ومن اللافت في هذا البناء أننا لم نحتج في أي مرحلة إلى استخدام عبارة “سرعة الضوء”، ولم نفترض أن “سرعة الضوء ثابتة” كمسلمة أولية. ذلك لأن زمكان مينكوفسكي لا يوفر أي مقياس موضوعي للسرعة بالمعنى النيوتني التقليدي، حيث لا يوجد زمن مطلق أو فضاء مطلق يمكن القياس بالنسبة إليهما. فالثوابت الفيزيائية المطلقة التي نعتاد عليها في ميكانيكا نيوتن لا تظهر في هذا الإطار، وكل ما يمكننا الحديث عنه هو سرعة شعاع الضوء بالنسبة لنظام إحداثيات معين نحدده باستخدام الساعات والأشعة الضوئية.
كما أننا لم نستخدم مفهوم “نظام الإحداثيات العطالي” بوصفه نقطة انطلاق، ولم نفترض مسبقًا أن جميع الأنظمة العطالية متكافئة، أو أن قوانين الفيزياء تأخذ الشكل نفسه فيها. بل بدأنا من فرض وجود بنية هندسية محددة للزمكان، ثم منحنا هذه البنية معنى فيزيائيًا عبر ربطها بسلوك الضوء والأجسام والساعات، وأخيرًا شرحنا كيفية استخدام هذه العناصر لبناء أنظمة الإحداثيات نفسها. بهذه الطريقة، تصبح جميع الخصائص التي نرتبط بها عادةً بالسرعة أو التزامن أو الزمن متجذرة في البنية الهندسية للزمكان، وليس في أي مسلمة خارجية.
وبعد هذا التسلسل، يصبح بالإمكان فهم العبارات الشائعة في النسبية — مثل “ثبات سرعة الضوء” أو “تكافؤ الأنظمة العطالية” — بوصفها نتائج مشتقة من هذا البناء، لا كمسلمات مستقلة مفروضة من البداية. فالضوء نفسه، في جوهره، لا يمتلك “سرعة” مطلقة، لأنه لا يوجد زمن أو فضاء مطلقان يُقاسان عليه. غير أنه ضمن نظام إحداثيات محدد، يمكننا تعريف ما نسميه السرعة الإحداثية، وهي كمية تعتمد بالكامل على الطريقة التي تم بها بناء هذا النظام، وعلى كيفية ضبط الساعات ومزامنتها.
ولتوضيح ذلك، لنفترض أننا نريد وصف “سرعة” انتقال شعاع ضوئي من الساعة الرئيسية إلى ساعة أخرى مشتركة في الحركة. في نظام إحداثيات معين، إذا كانت قراءة الزمن عند إصدار الشعاع من الساعة الرئيسية هي 12:00، وكانت قراءة الزمن عند وصوله إلى الساعة الأخرى هي 12:01، فإن الفرق الزمني هو دقيقة واحدة. من المهم التأكيد على أن هذا الفرق الزمني لا يعكس خاصية مطلقة للضوء، بل يعتمد بالكامل على نظام الإحداثيات المستخدم وعلى كيفية ضبط الساعات ومزامنتها ضمن هذا النظام.
أما بالنسبة للمسافة التي قطعها الضوء، فلا توجد أيضًا إجابة مطلقة عنها. المفهوم التقليدي للمسافة يفترض وجود فضاء مطلق، وهو ما لا توفره النسبية الخاصة. فإذا كانت إحداثيات الساعة المشتركة في هذا النظام هي (x = -1, y = 0, z = 0)، فإننا باستخدام العلاقات الهندسية داخل هذا النظام نستنتج أن بعد الساعة المشتركة المكاني عن الساعة الرئيسية يساوي دقيقة ضوئية واحدة. بذلك، ينتقل شعاع الضوء مسافة دقيقة ضوئية خلال دقيقة زمنية واحدة حسب هذا النظام، وتكون السرعة الإحداثية مساوية لـ 1 دقيقة ضوئية لكل دقيقة زمنية.
ولكن ينبغي التأكيد مرة أخرى على أن هذه القيمة ليست خاصية مطلقة للضوء، بل هي انعكاس مباشر للمعايير الإحداثية التي اخترناها، وكيفية ضبطنا للساعات ومزامنتها. بمعنى آخر، “سرعة الضوء” في هذا السياق ليست ثابتة بالمعنى المطلق، بل ثابتة بالنسبة للنظام الذي أسسناه، وهي نتيجة مباشرة للبنية الهندسية للزمكان والطريقة التي استخدمنا بها الأدوات القابلة للرصد لتعيين الإحداثيات.
يتبع في الجزء 100…







صادق مهدي حسن
منذ 1 ساعة
خليجي 25 .. والشيبة الطاهرة
الطاهرة ركن الإسلام الثالث
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
EN