العقيدة التي لا تُهزم: حين تُخطئ الإمبراطوريات قراءتها
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
21/03/2026
من الخليج إلى طهران، تتبدّل خرائط القوة بصمت، فيما يتكشف أن أعقد أخطاء الإمبراطوريات ليست في الحروب التي تخوضها، بل في العقائد التي تفشل في فهمها.
ليست كل مواجهة تُقاس بميزان القوة العسكرية وحدها، ولا تُحسم نتائجها وفق معادلات المصالح الآنية، بل إن هناك بعدًا أعمق ظلّ غائبًا عن كثير من القراءات الاستراتيجية، يتمثل في عقيدة الشعوب التي تستمد رؤيتها من إرثٍ ديني وتاريخي متجذّر.
هذا المقال يحاول قراءة المشهد من زاوية مختلفة، كاشفًا عن مواطن الخلل في تفسير هذا البعد، ومبيّنًا كيف يمكن لسوء الفهم أن يقود إلى أخطاء استراتيجية كبرى تعيد تشكيل موازين القوى، لا كما يُراد لها، بل كما تفرضه سنن التاريخ ومنطق العقيدة.
يكمن الخطأ الاستراتيجي الجوهري الذي وقعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية في سوء قراءتها لطبيعة الشعوب التي تحمل عقيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قراءةً حقيقية؛ عقيدة تتجسّد عمليًا في فكر الإمام علي بن أبي طالب وتضحيات الإمام الحسين بن علي وسيرة بقية الأئمة المعصومين عليهم السلام. فهذه الشعوب لا تُقاس بمنطق الربح والخسارة الدنيوي، ولا تنكسر وفق معايير القوة المادية؛ إذ إن معادلتها الوجودية مختلفة: إن استُشهدت فهي “أحياء عند ربهم يُرزقون”، وإن انتصرت فإنما هو نصرٌ من عند الله سبحانه وتعالى. ومن هنا، فإن أي قراءة عسكرية أو سياسية تتجاهل هذا البعد العقدي والروحي تبقى قراءة قاصرة، بل وخاطئة في جوهرها.
لقد وقع المعتدون في خطأٍ آخر لا يقل خطورة، حين فهموا عقيدة الرسول الأعظم الأصيلة من خلال نماذج مشوّهة، استقوها من الفكر الوهابي الذي عجز عن تمثيل حقيقة الإسلام، فتوهموا أن العالم الإسلامي بأسره يدور في فلك هذا الفهم المنحرف الذي لا يمت إلى جوهر الإسلام بصلة. ومن هذا التصور القاصر انطلقوا في سياساتهم، معتقدين أن احتواء بعض الأنظمة، أو توظيف جماعات متطرفة، كفيلٌ بإعادة تشكيل الوعي الإسلامي بما يخدم مشاريعهم.
وفي هذا السياق، ظنّوا أن ترويض بعض الأنظمة، خصوصًا في الخليج، وتجنيد شخصيات متطرفة مثل أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي وآخرين، يمكن أن يشكّل أداةً لإعادة صياغة عقيدة الأمة، أو على الأقل تفريغها من مضمونها الحقيقي. كما توهّموا أن توظيف بعض النماذج التي تدّعي تمثيل الإسلام الأصيل، لا سيما في أحداث مفصلية كـ سقوط بغداد 2003، يعني أنهم قد أمسكوا بخيوط المشهد العقدي الإسلامي برمّته.
وزادت هذه الأوهام نشوةً حين بدت بعض مظاهر الابتعاد عن الفكر الإسلامي الأصيل في مجتمعات معينة، فتصوّروا أن اللحظة قد حانت للقضاء على الدين الإسلامي الحنيف. غير أنهم غفلوا عن حقيقة قرآنية ثابتة، مفادها أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى، لا بقدرة بشر ولا بإرادة قوى عظمى، إذ يقول سبحانه: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”، ويقول أيضًا: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ”. إنها حماية إلهية لا يدخل الإنسان في معادلتها إلا بقدر ما يكون أداة ضمن سننها.
لقد توصّلت إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، أو توهّمت، أن العقبة الأساسية أمام مشروعها في تفكيك العالم الإسلامي تكمن في العقيدة الشيعية، بوصفها – في تصورها – الحامل الأشد صلابة للفكر المحمدي الأصيل، وأن إيران تمثّل رأس الحربة في الدفاع عن هذه العقيدة. ومن هنا تشكّلت قناعة لدى الحركة الصهيونية بأن الطريق إلى إعادة تشكيل المنطقة يبدأ من إضعاف إيران، تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى بقية المذاهب، وصولًا إلى فرض نموذج ديني مفرغ من مضمونه، يُعاد تشكيله ضمن ما يُعرف بمشروع “الديانة الإبراهيمية” وفق رؤية تخدم الأجندة التلمودية.
وقد عبّر عن هذه الرؤية – بشكل مباشر أو غير مباشر – رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة، كما انخرطت الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، في سياسات تنسجم مع هذه الرؤية، مدفوعة باعتبارات داخلية وخارجية، لتجد نفسها في نهاية المطاف طرفًا في صراع معقّد يتجاوز حدود الحسابات التقليدية.
إن السردية التي تروّج بأن الصراع مع إيران يهدف إلى منعها من امتلاك التكنولوجيا النووية ليست – في هذا الطرح – سوى غطاء سياسي، إذ يُعتقد أن الهدف الأعمق يتصل بطبيعة الدور الذي تؤديه إيران في بنية الصراع الفكري والعقدي في المنطقة، خصوصًا مع تأكيدها المتكرر على الطابع السلمي لبرنامجها النووي.
وعليه، فإن هذا الصراع يُصوَّر بوصفه مواجهة بين منظومتين فكريتين: من جهة، ما يُوصف بالفكر التلمودي؛ ومن جهة أخرى، فكر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام المستند إلى القرآن الكريم والسيرة النبوية الصحيحة. وهي مواجهة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتدخل في عمق الرؤية للإنسان والعالم والقيم ولتكرس نوع جديد من الحروب يمكن ان يطلق عليها اليوم بالحملات التلمودية على العالم الاسلامي.
لقد انزلقت الولايات المتحدة الأمريكية – وفق هذا المنظور – إلى هذه الحروب في حرب لا تخدم مصالحها المباشرة، في حين بدت أوروبا أكثر حذرًا، تتأرجح بين ضغوط واشنطن وكلفة الانخراط في صراع مفتوح. ومع مرور الوقت، وخصوصًا بعد أسابيع من التصعيد، بدأت مؤشرات التعثر تظهر، ما دفع بعض الساسة الأمريكيين إلى إعادة تقييم الموقف، في ظل تآكل صورة الردع الأمريكي على الساحة الدولية.
ولم يعد العالم ينظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة التي لا تُقهر، بل كدولة تعاني من ارتدادات سياساتها داخليًا وخارجيًا، خصوصًا مع تزايد الأعباء الاقتصادية على المواطن الأمريكي نتيجة الانخراط في صراعات مكلفة وغير محسوبة العواقب.
إن العدوان الصهيوأمريكي، الذي بدأ بعملية اغتيال استهدفت المرشد الأعلى في إيران، مرشّح لإعادة تشكيل ملامح النظام الدولي، ولكن ليس وفق الرؤية التي يسعى إليها بنيامين نتنياهو أو دونالد ترامب، بل ربما وفق مسارات تفرضها توازنات جديدة تكون فيها إيران لاعبًا أساسيًا في رسم ملامح المرحلة القادمة.
ومن هنا، تبدو الحكمة السياسية – إن أُريد لها أن تُستعاد – في أن يعيد صانع القرار الأمريكي، بعد الإقرار بحدود القوة وتداعيات الإخفاق، النظر في حساباته، وأن يتجاوز رهاناته على طموحات نتنياهو، باتجاه إنهاء هذا المسار التصادمي. وإلا، فإن الاستمرار فيه قد يقود إلى نتائج عكسية تضع الكيان الإسرائيلي أمام تحديات وجودية، قد تصل – في أحد السيناريوهات – إلى إعادة طرح حدود عام 1948 وفق قرار التقسيم 181، أو ما دون ذلك.
إن المعركة اليوم لم تعد مجرّد مواجهة عسكرية تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الترسانات، بل هي – في جوهرها العميق – معركة عقيدة، بين من يسعى إلى إفراغها من مضمونها والقضاء عليها، وبين من يتمسّك بها بوصفها معنى للوجود ومصدرًا للقوة والصمود. وفي خضم هذا التحول، تبدو بعض الأنظمة، لا سيما في الخليج، وكأنها ما تزال أسيرة وهمٍ قديم، مفاده أن الحماية تُستورد من الخارج، وأن المظلّة الأمريكية قادرة على تأمين البقاء، أو أن التطبيع مع المشروع الصهيوني يمكن أن يفتح باب الاستقرار.
غير أن الوقائع الأخيرة كشفت، بوضوح لا يقبل التأويل، أن تلك القواعد التي أُنشئت تحت عنوان الحماية لم تكن في حقيقتها إلا جزءًا من منظومة دفاعية تخدم إسرائيل أولًا، وأنها – عند لحظة الاختبار – عجزت عن حماية نفسها، فضلًا عن أن تكون درعًا لغيرها. فكيف لمن لم يستطع أن يصون وجوده العسكري أن يكون ضامنًا لبقاء أنظمة بأكملها؟
لقد دخلت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المواجهة وهي تظن أنها تملك زمام المبادرة، فإذا بها – مع تعقّد الميدان – تنكشف أمام اختبار الإرادة، لا اختبار القوة فقط. وما جرى لم يكن تعثّرًا عابرًا، بل تحوّلًا عميقًا في ميزان الصراع.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد تورّطت في هذه الحرب استجابةً لحسابات بنيامين نتنياهو، فإنها وجدت نفسها في مواجهة إيران، دولةٍ لا تستند فقط إلى قدراتها المادية، بل إلى منظومة عقدية متجذّرة تستلهم فكر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهي منظومة لا تُهزم بالمعنى التقليدي للهزيمة.
إن الحديث عن هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية هنا لا يقتصر على البعد العسكري، بل هو هزيمة في الفهم والتقدير وقراءة الخصم. وهنا تكمن الخسارة الأكبر.
وهكذا تتكشف الصورة، لا بوصفها صراعًا عابرًا، بل بوصفها لحظة تاريخية فاصلة تُعاد فيها كتابة المعادلات، بين من يقرأ العالم بلغة القوة وحدها، ومن يفهمه بمنطق العقيدة التي لا تُهزم.







صادق مهدي حسن
منذ 1 ساعة
أكثر من حجة في ذي الحجة
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
الشيخ المقدسي (رحمه الله)
EN