تُعدّ الوجدانية المهدوية من أهم المرتكزات الداخلية التي يقوم عليها الوعي العقدي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لما تمثله من تفاعل حيّ بين الإيمان الغيبي والسلوك العملي، وبين العقيدة والشعور، وبين الانتظار والحركة. فهي ليست حالة عاطفية عابرة، ولا اندفاعًا وجدانيًا منفصلًا عن العقل، بل هي بناء داخلي متكامل يتشكّل في عمق النفس المؤمنة، ويمنحها قدرة على الصمود، والاستقامة، وتحويل الإيمان بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى طاقة روحية وتربوية فاعلة في الحياة الفردية والاجتماعية.
إن الحديث عن الوجدانية المهدوية يعني الحديث عن الإنسان المنتظر بوصفه إنسانًا يعيش حضور الإمام في وعيه وضميره، رغم الغيبة الظاهرية، ويستحضر المشروع الإلهي في تفاصيل سلوكه اليومي. فالانتظار، وفق هذا المنظور، لا يُفهم على أنه حالة زمنية سكونية، بل هو موقف وجودي واعٍ، يتجسد في الثبات على الحق، ومقاومة الظلم، وبناء النفس وفق القيم التي يمثّلها الإمام الغائب. ومن هنا تتحول الوجدانية المهدوية إلى عنصر حاسم في صياغة الشخصية المؤمنة، إذ تغذّيها بالأمل، وتحصّنها من اليأس، وتربطها بوعد الله الذي لا يتخلّف. ويؤسس القرآن الكريم لهذا المعنى من خلال تأكيده المستمر على سنن الاستخلاف والنصر الإلهي، وربطه بين الإيمان والعمل الصالح من جهة، وتحقيق الوعد الإلهي من جهة أخرى. فالخطاب القرآني لا يكتفي بإثارة الشعور، بل يوجّه الوجدان ليكون منضبطًا بالبصيرة، ومتحركًا ضمن إطار المسؤولية. وهذا ما يتكامل مع الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، التي قدّمت الانتظار بوصفه عبادة، وحالة وعي أخلاقي، ومنهج تربية روحية عميقة، تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه وبإمامه. وتبرز أهمية دراسة الوجدانية المهدوية في العصر الحاضر، في ظل ما يشهده العالم من أزمات قيمية وروحية، وما يواجهه الإنسان المؤمن من تحديات فكرية ونفسية قد تدفعه إلى القلق أو الانكفاء أو فقدان الأمل. إذ تمثل الوجدانية المهدوية إطارًا تربويًا قادرًا على إعادة التوازن للنفس الإنسانية، ومنحها أفقًا مستقبليًا مطمئنًا، قائمًا على الثقة بالله، والإيمان بعدالته، واليقين بحتمية تحقق مشروعه الإلهي على يد وليّه الموعود.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مفهوم الوجدانية المهدوية، وبيان ملامحها الأساسية، وتحليل بعدها الروحي والتربوي في زمن الغيبة، اعتمادًا على القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، بهدف الكشف عن دورها في بناء الإنسان المنتظر، وصناعة الوعي الإيماني القادر على تحويل الانتظار من حالة شعورية كامنة إلى مسار عملي إصلاحي حي، يمهّد لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
الوجدانية في ضوء القرآن الكريم
يؤسس القرآن الكريم لمنظومة وجدانية متكاملة، تقوم على الأمل بوعد الله، والاطمئنان لنصره، والثقة بحتمية تحقق العدل الإلهي مهما طال أمد الظلم. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، وهذه الآية الكريمة تشكل أساسًا وجدانيًا عميقًا لفكرة الانتظار، إذ تبني في نفس المؤمن يقينًا بأن حركة التاريخ ليست عبثية، بل خاضعة لإرادة إلهية عادلة. كما يؤكد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، حيث تتجسد الوجدانية المهدوية هنا في شعور راسخ بالانتماء إلى خط الصلاح الإلهي الممتد عبر التاريخ.
الوجدانية المهدوية في روايات أهل البيت عليهم السلام
تظهر الروايات الشريفة الصادرة عن أهل البيت عليهم السلام الوجدانية المهدوية بوصفها حالة إيمانية واعية، لا تنفصل عن العمل والسلوك. روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق»، فهذه الرواية تضع الانتظار في سياقه الوجداني الصحيح، حيث يصبح الشعور بالانتماء للإمام الغائب دافعًا للتزكية الأخلاقية، لا مجرد حالة وجدانية عاطفية. كما ورد عنه عليه السلام: «أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج»، وهو انتظار لا يُفهم بمعناه السلبي، بل بوصفه حالة شعورية دافعة للإصلاح والاستقامة.
البعد الروحي للانتظار
يشكل الانتظار في الفكر المهدوي مدرسة روحية متكاملة، تعيد صياغة علاقة الإنسان بالله، وبالزمن، وبالمصير. فالمنتظر يعيش حالة دائمة من المراقبة الإلهية، والشعور بالحضور المعنوي للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ما ينعكس على سلوكه اليومي، ويمنحه قدرة على مقاومة الانحراف واليأس. وقد ورد في الروايات أن الإمام الغائب يطّلع على أعمال شيعته، وهذا المعنى يولد في النفس شعورًا وجدانيًا عميقًا بالمسؤولية، ويجعل العلاقة مع الإمام علاقة تربية روحية مستمرة، لا تنقطع بغيبة الجسد.
الوجدانية المهدوية وبناء الشخصية المؤمنة
تسهم الوجدانية المهدوية في بناء شخصية متوازنة تجمع بين الوعي العقائدي والصفاء الروحي. فالمنتظر الحقيقي لا يعيش حالة الانعزال أو الهروب من الواقع، بل يتفاعل معه بروح إصلاحية نابعة من إيمانه بالعدل الإلهي القادم. وقد أكد الإمام الباقر عليه السلام هذا المعنى بقوله: «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم»، فالكمال العقلي والوجداني هو ثمرة من ثمار الارتباط الوجداني بالإمام المنتظر، حتى قبل ظهوره.
البعد التربوي للوجدانية المهدوية
تلعب الوجدانية المهدوية دورًا محوريًا في العملية التربوية، إذ تشكل عنصرًا فاعلًا في تهذيب النفس، وبناء الضمير الديني، وترسيخ القيم الأخلاقية. فالطفل أو الشاب الذي ينشأ على حب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، والشعور بالانتماء إلى مشروعه الإلهي، يكون أكثر استعدادًا للالتزام بالقيم، وأكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا»، حيث يظهر البعد التربوي للثبات الوجداني في زمن الغيبة.
الوجدانية المهدوية والشباب
يمثل الشباب الشريحة الأكثر تأثرًا بالبعد الوجداني للفكر المهدوي، نظرًا لما يمتلكونه من طاقة عاطفية وقدرة على التفاعل. وعندما تُوجَّه هذه الطاقة ضمن إطار تربوي واعٍ، تتحول الوجدانية المهدوية إلى قوة بناء وإصلاح، لا إلى حالة انفعالية مؤقتة. وقد أكدت الروايات على دور الشباب في زمن الظهور، ما يعزز شعورهم بالمسؤولية، ويمنحهم هوية رسالية واضحة.
الوجدانية المهدوية في مواجهة اليأس
في عالم يزداد فيه الظلم والاضطراب، تشكل الوجدانية المهدوية حصنًا نفسيًا وروحيًا أمام موجات اليأس والإحباط. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، فالمنتظر يعيش الأمل بوصفه عبادة، ويجعل من ثقته بوعد الله مصدرًا للقوة والثبات. وهذا الأمل ليس وهمًا، بل وعدًا إلهيًا أكده القرآن والروايات الشريفة.
الوجدانية المهدوية والمجتمع
لا تقتصر آثار الوجدانية المهدوية على الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره. فالمجتمع الذي يتشرب هذه الوجدانية يتحول إلى مجتمع حي، يرفض الظلم، ويسعى للإصلاح، ويؤمن بإمكانية التغيير. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله»، وهي قاعدة وجدانية تعزز الوعي الجماعي، وتربطه بالمشروع الإلهي العادل.
الوجدانية المهدوية في مواجهة الاغتراب الرقمي في ظل الهيمنة الرقمية.
وما تفرضه من "سيولة قيمية" وتشتت ذهني، تبرز الوجدانية المهدوية كأداة لاستعادة "المركزية الروحية" للإنسان المؤمن. فبينما تدفع المنصات الرقمية الفرد نحو العزلة والسطحية والانشغال بـ "الآن" المادي، يأتي الارتباط الوجداني بالإمام الحجة (عجل الله فرجه) ليعيد ربط الشاب بـ "الزمن الممتد" والمشروع الإلهي الهادف. إن استشعار حضور الإمام في الفضاء الرقمي يحوّل الهاتف من أداة للهو أو الانحراف إلى وسيلة للتمهيد الواعي؛ حيث يصبح الضمير المهدوي هو "الرقيب الداخلي" الذي يحصن النفس من الانجراف خلف التيارات الفكرية المنحرفة، ويحول "الانتظار" إلى ثبات قيمي في عالم متسارع التغير، وبذلك تتحول الوجدانية من شعور قلبي إلى "درع رقمي" يحفظ للهوية الإيمانية أصالتها.
في الختام تُبرز هذه الدراسة أن الوجدانية المهدوية ليست عنصرًا ثانويًا أو بعدًا هامشيًا في منظومة الفكر المهدوي، بل تمثل قلب التجربة الإيمانية في زمن الغيبة، ومحورها الحي الذي تتفاعل فيه العقيدة مع السلوك، والانتظار مع المسؤولية، والروح مع الواقع. فقد تبيّن من خلال القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام أن الانتظار الحقيقي يتأسس على وعي وجداني عميق، يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويمنحه القدرة على الثبات أمام التحديات، ومواجهة اليأس، وتحويل الإيمان بالمستقبل الموعود إلى طاقة إصلاحية حاضرة في كل زمان وإن الوجدانية المهدوية، بوصفها حالة شعورية واعية، تؤدي دورًا تربويًا بالغ الأهمية في تهذيب النفس، وبناء الضمير الديني، وترسيخ القيم الأخلاقية، إذ تجعل الإنسان يعيش ارتباطه بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ارتباطًا عمليًا يتجلى في السلوك اليومي، وفي الموقف الأخلاقي، وفي الالتزام الاجتماعي. فهي وجدان يراقب، ويهذّب، ويحفّز، ويمنع الانزلاق نحو السلبية أو الانعزال، ويؤكد أن الغيبة لا تعني الغياب عن الواقع، بل تعني حضور المشروع الإلهي في وعي الإنسان المنتظر.
كما تكشف هذه الدراسة أن البعد الروحي والتربوي للانتظار يشكّل قاعدة أساسية في صناعة الشخصية المهدوية القادرة على التفاعل مع متغيرات العصر دون أن تفقد هويتها الإيمانية. فالمنتظر، في ضوء هذه الوجدانية، لا يعيش قلق الزمن ولا اضطراب المستقبل، بل يحمل يقينًا راسخًا بوعد الله، ويستمد من هذا اليقين طمأنينة داخلية تجعله أكثر وعيًا بدوره، وأكثر استعدادًا لتحمّل مسؤوليته الفردية والاجتماعية في التمهيد للمشروع الإلهي.
ومن هنا، فإن هذه الخاتمة لا تمثل نهاية للبحث بقدر ما تشكّل بوابة لدراسات أوسع وأعمق في حقل الفكر المهدوي، يمكن من خلالها استكمال البحث في موضوعات متعددة، من قبيل أثر الوجدانية المهدوية في بناء الوعي الجمعي، ودورها في تحصين الشباب من الانحرافات الفكرية، وعلاقتها بالإصلاح الاجتماعي، فضلاً عن دراسة تجلياتها في الخطاب الديني المعاصر وأساليب تفعيلها تربويًا وثقافيًا. إن فتح هذا الأفق البحثي يُعد ضرورة علمية وفكرية، لما للوجدانية المهدوية من قدرة على إعادة توجيه الإنسان نحو المعنى، وترسيخ الأمل، وبناء مجتمع ينتظر العدل وهو يعمل له.
وبذلك، تؤكد هذه الدراسة أن الوجدانية المهدوية ليست مجرد حالة شعورية مرتبطة بفكرة الظهور، بل هي مشروع بناء داخلي مستمر، يهيّئ الإنسان والمجتمع لاستقبال الوعد الإلهي، ويجعل من الانتظار مسارًا واعيًا للإصلاح، ومن الإيمان قوةً حاضرة تصنع المستقبل قبل أن يأتي، في ضوء الهداية الإلهية، ونهج أهل البيت عليهم السلام.







د.أمل الأسدي
منذ 1 اسبوع
صنّاع المحتوى في مواقع التواصل الاجتماعي
الفقرُ الثّقافيّ
شباب المواكب الحسينية
EN