سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء الثاني والتسعون: من زمكان مينكوفسكي إلى ساعة التوأم: النسبية بلا تناقض
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
25/01/2026
لحلّ المسألة التي طُرحت في المقال السابق، نعود إلى المعادلة الأساسية التي أشرنا إليها سابقًا بوصفها جوهر النظرية النسبية الخاصة، تلك المعادلة التي لا تعبّر عن قانون حركي بالمعنى التقليدي، بل عن بنية هندسية عميقة للزمكان نفسه.
وتفاديًا لإرهاق القارئ بالخوض في التفاصيل التقنية لتطبيق هذه المعادلة على سيناريو مفارقة التوأمين، سنكتفي هنا بعرض النتائج النهائية، مع توضيح معناها الفيزيائي والهندسي.
بحسب وحدات القياس المختارة، يكون الطول الكلي لمسار التوأم الأول عبر الزمكان مساويًا لـ 6،
في حين يبلغ الطول الكلي لمسار التوأم الثاني 10 .
ولا بد من التأكيد هنا أن كلمة الطول لا تُفهم بمعناها المكاني المألوف، بل بوصفها الفاصل الزمني الخاص (proper time) الذي تقيسه الساعة المحمولة مع كل توأم على طول مساره في الزمكان.
وعليه، إذا أظهرت ساعة التوأم الثاني مرور 100 يوم،
فإن ساعة التوأم الأول لا تُظهر سوى 60 يومًا فقط.
وعندما يلتقي التوأمان مجددًا في نفس المكان والزمان،
يكون التوأم الأول أصغر عمرًا من أخيه بمقدار 40 يومًا.
هذه النتيجة، التي تُعرف باسم مفارقة التوأمين، سبّبت ارتباكًا فكريًا وفلسفيًا أكثر من أي ظاهرة أخرى في النسبية الخاصة.
غير أن هذا الارتباك يتبدّد بالكامل متى ما نُظر إلى المسألة من زاوية هندسة زمكان مينكوفسكي وفرضية الساعة.
فالساعات، وفق النسبية الخاصة، لا تقيس “زمنًا مطلقًا”،
بل تقيس الفاصل الزمني على طول المسارات الزمكانية (world-lines) التي تسلكها الأجسام.
وبين نفس نقطتي البداية والنهاية في الزمكان،
قد توجد مسارات متعددة، تختلف أطوالها الزمكانية اختلافًا حقيقيًا وموضوعيًا.
ومسار التوأم الثاني بين هاتين النقطتين أطول من مسار التوأم الأول،
ومن هنا ينشأ الفرق في الزمن المقاس.
انتهى الأمر.
لا مفارقة، ولا تناقض، ولا حاجة لأي افتراضات إضافية.
ومع ذلك، لا بد من التوقّف عند بعض مصادر الالتباس الشائعة التي كثيرًا ما تُشوّش هذا الفهم البسيط.
الالتباس الأول:
يُقال إن النسبية الخاصة تُعامل كل الحركات على أنها نسبية بين الأجسام،
وبالتالي فإن حركة التوأم الأول نسبة إلى الثاني
هي نفسها حركة التوأم الثاني نسبة إلى الأول،
وعليه يفترض البعض أن حالتهما الفيزيائية متماثلة تمامًا.
ومن هذا الافتراض الخاطئ يُستنتج أنه عند اجتماعهما مجددًا
يجب أن تُظهر ساعتا كل منهما الزمن نفسه.
غير أن هذا الاستنتاج غير صحيح من أساسه.
فليس صحيحًا، بأي معنى جوهري، أن “كل حركة نسبية” في النسبية الخاصة.
فالنظرية تمتلك بنية هندسية موضوعية للزمكان
تُميّز بوضوح بين المسارات العطالية وغير العطالية،
بغض النظر عن وجود أجسام أخرى أو غيابها.
ولتوضيح ذلك، يكفي النظر إلى مثال كرات نيوتن الدوّارة.
فالتحليل الفيزيائي لهذا النظام في النسبية الخاصة
يطابق تمامًا تحليله في ميكانيك نيوتن أو في زمكان غاليلي.
فإذا وُجد توتر في الحبل الذي يربط الكرات،
فإن هذا التوتر دليل فيزيائي موضوعي على أن الكرات لا تسلك مسارات عطالية،
أي أن مساراتها عبر الزمكان منحنية،
وهذا الانحناء ليس “نسبيًا” ولا خاضعًا لوجهة نظر الراصد.
صحيح أن مخطط الزمكان في النسبية الخاصة يختلف جذريًا عن مخطط غاليلي،
لكن هذا الاختلاف لا يعني غياب البنية الموضوعية،
بل يعني استبدال شرائح التزامن ببنية أعمق وأكثر دقة،
هي بنية المخروط الضوئي.
ومن هنا، فإن النسبية الخاصة ليست نظرية “علاقاتية خالصة”
بالصورة التي تصوّرها ليبنيتز،
بل نظرية هندسية ذات محتوى فيزيائي محدد.
الالتباس الثاني:
ولتجاوز الالتباس الأول، يلجأ كثيرون إلى تفسير المفارقة عبر مفهوم التسارع.
فيُقال إن وضع التوأم الأول ليس متماثلًا مع وضع التوأم الثاني،
لأن الأول اضطر إلى تشغيل محركاته وخضع لتسارع،
بينما بقي الثاني في حالة عطالة ولم يشعر بأي قوة.
وبحسب الصيغة النسبية لقانون نيوتن الثاني،
فإن تشغيل المحركات يعني توليد قوة حقيقية،
وهذه القوة يشعر بها التوأم الأول مباشرة،
وتدل بوضوح على تغيّر مساره في الزمكان.
أما التوأم الثاني،
وبما أنه لم يتعرض لأي قوة،
فيمكنه أن يعتبر نفسه، دون أي تناقض،
هو من بقي ساكنًا في إطار عطالي واحد طوال الرحلة.
هذا التفسير شائع إلى درجة يصعب معها حصر صوره المختلفة.
ومن أشهر صيغه ما أورده الفيزيائي وولفغانغ ريندلر في كتابه Essential Relativity، حيث كتب:
“المفارقة تكمن في الآتي:
ألا يمكن للتوأم الأول أن يدّعي، بنفس القوة،
أنه هو من بقي ساكنًا،
بينما الآخر هو من ذهب في رحلة ذهاب وعودة؟
وبالتالي، يجب أن يكون التوأم الثاني هو الأصغر سنًا؟”
والجواب الحاسم هو: كلا، هذا غير ممكن.
والسبب أن التوأم الثاني بقي دائمًا ضمن إطار عطالي واحد،
في حين أن التوأم الأول، حتى في أبسط سيناريوهات “الذهاب والعودة”،
غادر هذا الإطار،
وتعرّض لتسارع عند الانطلاق،
ثم لتباطؤ عند العودة،
ثم لتسارع جديد،
وأخيرًا لتباطؤ نهائي عند التوقف بجانب أخيه.
هذه التسارعات المتعاقبة، الموجبة والسالبة،
ليست تفاصيل ثانوية،
بل حقائق فيزيائية مباشرة يشعر بها التوأم الأول.
ولذلك، لا يمكنه بأي حال من الأحوال
أن يقع في وهم أنه هو من بقي ساكنًا طوال الرحلة.
وهكذا، تتكشّف مفارقة التوأمين،
لا بوصفها لغزًا في الزمن،
بل بوصفها نتيجة مباشرة وبسيطة
لهندسة الزمكان وكيفية قياس الساعات للفواصل الزمنية.
نواصل رحلتنا الممتعة مع النسبية الخاصة في المقال القادم.
يتبع في الجزء الثالث والتسعين…







د.أمل الأسدي
منذ 6 ايام
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
الفقرُ الثّقافيّ
EN