بين أروقة القصور الباذخة، حيث يمتزج صرير الذهب بأنين المستضعفين، وحيث تمتد ظلال "الفرعون" ككابوس جاثم على صدر النيل، كان هناك قلبٌ ينسج من خيوط الفجر كفناً لليل الطغيان. لم يكن "حزقيل" مجرد رجل في حاشية الملك، بل كان "جزيرة من طهر" في محيط من الرجس، وعيناً تبصر نور الملكوت خلف حجب الدخان.
كان حزقيل يطوي ضلوعه على سرٍّ لو باح به لاهتزت تيجان، وتزلزلت أركان. كان إيمانه "خميرة" صامتة في عجين الظلم، يرتدي ثياب القوم ويمشي مشيتهم، لكنَّ روحه كانت تحلق في آفاق "سبيل الرشاد". كانت تقيتهُ فناً من فنون الحب الإلهي، صبراً مسبوكاً بدموع المناجاة، حيث السكون في الظاهر هو الصخب الأكبر في باطن الروح. كان يدرك أنَّ "الصدّيق" لا يُقاس بطول صراخه، بل بصدق وقوفه حين تخرس الألسن.
وعندما بلغت الغطرسة مداها، واشرأبت أعناق القوم لذبح "كليم الله"، انفرط عقد الصمت. لم يخرج حزقيل شاهراً سيفاً من حديد، بل خرج شاهراً سيفاً من "منطق" يهدم قلاع الوهم.
وقف وسط القصر، قامةً سامقةً لم تنحنِ إلا لبارئها، وصوته يتردد كجرسٍ جنائزيٍّ لمملكة الزور:
"أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!"
لقد كانت كلماتُه تنساب برقةٍ كجريان النيل، وتضرب بقوةٍ كصواعق السماء. لم يكن يعظهم بلسان الناقم، بل بلسان المحب المشفق: "يا قومِ إني أخاف عليكم..". هكذا هم "ورثة الأنبياء"؛ يبكون على جلاديهم خوفاً عليهم من نار العدل الإلهي. صور لهم فناء الدنيا كـ "متاع" زائل، وكأنَّ حفيف ثيابه وهو يتحدث كان يهمس بذكر "دار القرار".
تحولت نظرات الدهشة في عيون آل فرعون إلى شررٍ حاقد. انقشعت غيامة "القرابة" وظهرت أنياب "الكفر". حينها، أدرك حزقيل أنَّ "الأمنية الوحيدة" قد حان قطافها؛ أن يختم كتاب حياته بمداد الشهادة.
فرَّ ببدنه نحو الأفق، والخيول من خلفه تنهب الأرض نهباً، والسهام تتسابق لتنهش جسد الحقيقة. وفي تلك اللحظة الوجدانية الفارقة، حين حاصره الموت من كل جانب، تجلت العناية الإلهية كغيمةٍ من نور. "فوقاه الله سيئات ما مكروا". لم تكن نجاةً جسدية فحسب، بل كانت "معراجاً" روحياً؛ حيث حفت الملائكة بخطواته، واستحالت الصحراء القاحلة تحت قدميه بستاناً من بردٍ وسلام.
لقد كان "مؤمن آل فرعون" قصيدةً من الوفاء، ونبضةً من العشق العلوي، الذي يعلمنا أنَّ كلمة الحق عند سلطان جائر هي الباب الملكي نحو "جنة يُرزقون فيها بغير حساب".







اسعد الدلفي
منذ 4 ايام
الكلمة الطيبة
إستعراض موجز لحياة السيدة زينب الكبرى
أبنائي الطلبة
EN