هل يحق للواهب حرمان الابن العاق؟ دراسة في أحكام الهبة والميراث وفق القانون العراقي
مقدمة
تثير العلاقات الأسرية أحياناً إشكاليات قانونية تتعلق بتصرفات الوالدين في أموالهم، ولا سيما عندما يكون أحد الأبناء عاقاً أو مسيئاً لوالديه. ومن أكثر التساؤلات شيوعاً: هل يملك الأب أو الأم حرمان الابن العاق من أموالهما؟ وهل يختلف الحكم إذا تعلق الأمر بالهبة في حياة الواهب أو بالميراث بعد وفاته؟ وللإجابة عن ذلك لا بد من التمييز بين نظامين قانونيين مختلفين هما الهبة والميراث.
أولاً: حرمان الابن العاق من الميراث
الميراث نظام قانوني وشرعي ينتقل بموجبه مال المتوفى إلى ورثته بعد وفاته وفق الأنصبة المحددة قانوناً. والأصل أن حق الوارث في الإرث لا ينشأ إلا بوفاة المورث، ولا يجوز المساس به إلا في الحدود التي رسمها القانون.
ولما كانت موانع الإرث محددة على سبيل الحصر، فإن مجرد العقوق أو سوء معاملة الابن لوالديه لا يعد سبباً قانونياً لحرمانه من الميراث. وعليه فإن الابن العاق يبقى مستحقاً لنصيبه الإرثي متى توافرت فيه شروط الإرث وانتفت الموانع القانونية الأخرى.
ومن ثم فإن أي وصية أو تصرف يقصد منه حرمان أحد الورثة من حقه الإرثي بصورة مباشرة بعد الوفاة يكون خاضعاً للقيود القانونية المقررة لحماية حقوق الورثة.
ثانياً: سلطة الواهب في التصرف بأمواله أثناء حياته
على خلاف الميراث، فإن الهبة تعد من التصرفات القانونية التي ترد على أموال الشخص حال حياته. وقد عرف القانون المدني العراقي الهبة بأنها تمليك مال للغير بلا عوض، وهي من عقود التبرع التي تستند إلى إرادة الواهب الحرة.
وبناءً على ذلك يملك الشخص، من حيث الأصل، حرية التصرف بأمواله خلال حياته، فيجوز له أن يهب جزءاً منها أو كلها إلى من يشاء متى استوفى التصرف شروطه القانونية. وله كذلك أن يمتنع عن منح الهبة لأحد أبنائه، ولو كان ذلك الابن عاقاً أو سيئ السلوك.
ثالثاً: التمييز بين الهبة والحرمان من الإرث
من الناحية القانونية، يجب التفريق بين أمرين:
الأول: أن يقوم الأب أو الأم أثناء الحياة بهبة مال أو عقار لأحد الأبناء أو للغير وفق أحكام القانون، وهو تصرف نافذ متى استوفى شروطه. انطلاقا من القاعدة الفقهية «الناس مسلطون على اموالهم».
الثاني: أن يسعى المورث إلى حرمان أحد أبنائه من الميراث بعد وفاته بسبب العقوق، وهو أمر لا يقره القانون ما دام الابن وارثاً مستحقاً ولم يتحقق بحقه مانع من موانع الإرث المقررة قانوناً. انطلاقا من «قاعدة العقوق لا تمنع الحقوق»
ومن هنا فإن الامتناع عن منح هبة للابن العاق لا يعني بالضرورة حرمانه من الإرث، لأن الحقين يختلفان من حيث المصدر والآثار القانونية.
الخلاصة
يتضح من القواعد الفقهية ان القانون العراقي يميز بوضوح بين الهبة والميراث. فالشخص يتمتع بحرية واسعة في التصرف بأمواله أثناء حياته عن طريق الهبة، وله أن يمنحها لمن يشاء أو يمتنع عن منحها لأحد أبنائه، بمن فيهم الابن العاق. أما الميراث فهو حق قانوني يثبت للوارث بعد وفاة المورث، ولا يجوز حرمان الابن منه لمجرد العقوق أو سوء السلوك، لأن العقوق لا يعد من موانع الإرث المعترف بها قانوناً.
وبذلك يتحقق التوازن بين مبدأ حرية الفرد في إدارة أمواله حال حياته وبين حماية الحقوق الإرثية التي كفلها القانون للورثة بعد الوفاة... انتهى.
بقلم د. رافع زعاطي عبادي المشعشعي







د. رافع زعاطي عبادي الحيدري المشعشعي
منذ ساعتين
وخدشت الثقافة العراقية
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
رؤية المؤسسات الدولية للحوزة العلمية في النجف الأشرف
EN