إِنّ الأَدْعِيَةَ المأثُورَةَ وَالزِّيَارَاتِ الوَارِدَةَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) لَيْسَتْ نُصُوصًا تُقْرَأ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ فَحَسب، وَلَا طُقُوسًا مَوْسِمِيَّةً تُسْتَحْضَرُ فِي مَوَاسِمِ الحُزْنِ والفرح ثُمَّ تُطْوَى دُونَ أَثَرٍ؛ بَلْ هِيَ مَنْظُومَاتٌ تَرْبَوِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ صِيغَتْ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ الإِنْسَانِ، وَتَأْسِيسِ وَعْيٍ رِسَالِيٍّ يَجْعَلُ العِبَادَةَ نَمَطَ حَيَاةٍ لَا مُمَارَسَةً هامشيَّة عَابِرَةً.
وَمِنْ أَعْمَقِ وأشمل مصاديقِ هَذِهِ المَعَانِي مَا وَرَدَ فِي زِيَارَةِ الإِمَامِ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَوْمَ عَاشُورَاءَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَحْيَايَ مَحْيَا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمَمَاتِي مَمَاتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ».
هَذَا الدُّعَاءُ لَيْسَ تَعْبِيرًا عَاطِفِيًّا، وإنَّما بَيَانُ هُوِيَّةٍ وَمَشْرُوعُ حَيَاةٍ؛ إِذْ يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ يَرْبِطَ وُجُودَهُ كُلَّهُ بِالقُدْوَةِ الِإلَهِيَّةِ فِي الحَيَاةِ وَالمَوْتِ، فِي السُّلُوكِ وَالمَصِيرِ. وَهُوَ بِذَلِكَ يَنْقُلُهُ مِنْ دَائِرَةِ التَّمَنِّي إِلَى دَائِرَةِ الِالتِزَامِ العَمَلِيِّ، حَيْثُ تَصْبَحُ تَفَاصِيلُ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ مِعْيَارًا لِصِدْقِ الِانْتِمَاءِ.
فَالمَقْصُودُ بِـ “مَحْيَاهُمْ” لَيْسَ تَشَابُهَ الظُّرُوفِ أَوِ اسْتِنْسَاخَ التَّجَارِبِ التَّارِيخِيَّةِ، وإنما التَّخَلُّقُ بِالقِيَمِ نَفْسِهَا: التَّوْحِيدُ الخَالِصُ، العَدْلُ، الرَّحْمَةُ، الصِّدْقُ، وَنُصْرَةُ المَظْلُومِ وكل مكارم الأخلاق. أَمَّا “مَمَاتُهُمْ” فَهُوَ الثَّبَاتُ عَلَى هَذِهِ المَبَادِئِ حَتَّى نِهَايَةِ الطَّرِيقِ دُونَ انْكِسَارٍ أَوْ تَنَازُلٍ مَهْمَا كانَتْ التَّضحِيَات..
وَتَنْعَكِسُ هَذِهِ المَعَانِي فِي السُّلُوكِ اليَوْمِيِّ البَسِيطِ قَبْلَ المَوَاقِفِ الكُبْرَى؛ فِي كَظْمِ الغَيْظِ، وَتَرْكِ الغِيبَةِ والنَّميمَةِ وَالكَذِبَ، وَالصِّدْقِ فِي المُعَامَلَةِ، وَالرَّحْمَةِ دَاخِلَ الأُسْرَةِ. فَهَذِهِ لَيْسَتْ تَفَاصِيلَ هَامِشِيَّةً، بَلْ مُؤَشِّرَاتٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى صِدْقِ الِانْتِمَاءِ لِهَذَا الخَطِّ القِيَمِيِّ.
وَيَمْتَدُّ الأَثَرُ إِلَى المَجَالِ الِاجْتِمَاعِيِّ أَيْضًا؛ إِذْ يَتَحَوَّلُ الإِنْسَانُ الَّذِي يَسْتَحْضِرُ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَى عُنْصُرٍ فَاعِلٍ فِي مُجْتَمَعِهِ: يُعِينُ المُحْتَاجَ، يُوَاسِي المَظْلُومَ، يُشَارِكُ فِي العَمَلِ الإِيجَابِيِّ، وَيَشْعُرُ أَنَّ قَضَايَا النَّاسِ جُزْءٌ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ.
كَمَا يَشْمَلُ هَذَا الفَهْمُ مَيَادِينَ العَمَلِ وَالعِلْمِ؛ فَالطَّالِبُ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالمُوَظَّفُ فِي أَمَانَتِهِ وضَمِيرِهِ المِهَنِيِّ، جَمِيعُهُمْ يُجَسِّدُونَ مَعْنَى “مَحْيَاهُمْ” فِي صُورَتِهِ الوَاقِعِيَّةِ. وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ الكَسَلَ وَالإِهْمَالَ وَالفَسَادَ تُمَثِّلُ انْحِرَافًا عَنْ هَذَا المَعْنَى مَهْمَا تَعَدَّدَتِ المُبَرِّرَاتُ.
وَيَتَكَامَلُ هَذَا البِنَاءُ مَعَ مَوْقِفٍ وَاضِحٍ مِنَ الظُّلْمِ؛ إِذْ يَصْبَحُ رَفْضُهُ قِيمَةً ثَابِتَةً لَا مَوْقِفًا طَارِئًا، مُسْتَلْهَمًا مِنْ كَرْبَلَاءَ بِوَصْفِهَا ذُرْوَةَ الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ.
بقي أن نقول أَنَّ تَحْوِيلَ الدُّعَاءِ إِلَى مَشْرُوعِ حَيَاةٍ يَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ مُسْتَمِرٍّ وَمُحَاسَبَةٍ دَائِمَةٍ لِلنَّفْسِ، حَتَّى لَا يَتَحَوَّلَ إِلَى شِعَارٍ لَفْظِيٍّ ولقلة لسان فقط. فَالقِيمَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَهُ تَظْهَرُ حِينَ يَنْعَكِسُ فِي السُّلُوكِ، وَيُعِيدُ ضَبْطَ عَلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِرَبِّهِ وَنَفْسِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.. وهكذا يكون مستحقا لأنْ يَحيَا حَيَاتَهِم وَيَمُوتَ مَمَاتَهُم صَلَواتُ الله عَلَيِهِم أجْمَعين.







محمد عبد السلام
منذ يومين
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
التعطش للفرح
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
EN