Logo

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
سيارات الخردة في شوارع العراق: تجارة أرباح على حساب الأرواح

منذ 4 ساعات
في 2026/09/06م
عدد المشاهدات :40
سيارات الخردة في شوارع العراق: تجارة أرباح على حساب الأرواح
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
06/09/2026
ما يحدث في سوق السيارات العراقية لم يعد مجرد فوضى في الاستيراد، ولا خللًا إداريًا عابرًا يمكن معالجته بتعميم أو كتاب رسمي. فخلف آلاف السيارات التي تدخل البلاد كل عام توجد تجارة واسعة تستفيد من فارق الأسعار بين المركبة المتضررة في بلد المنشأ والمركبة التي يعاد تقديمها للمستهلك العراقي بعد إصلاحها وتسويقها. وفي قلب هذه التجارة تقف مفارقة قاسية: ما قد يُصنَّف في بلد المنشأ مركبة متضررة أو خسارة كلية، يمكن أن يجد طريقه إلى السوق العراقية بعد الإصلاح وإعادة التأهيل، فيما يبقى المواطن آخر من يعرف تاريخ المركبة وأول من يتحمل نتائجها.
ولكي ندرك حجم هذه المسألة، فإننا لا نتحدث عن سوق هامشية. فوزارة التجارة العراقية أعلنت أن عدد السيارات المستوردة والمسجلة سنويًا يقارب 200 ألف سيارة، وأن عدد السيارات في العراق بلغ نحو 8 ملايين سيارة عام 2024. كما تؤكد بيانات التجارة الدولية حجم التدفق؛ إذ استورد العراق في عام 2024 نحو 199,805 سيارات ركوب بقيمة إجمالية تقارب 3.122 مليار دولار، كان من بينها 34,430 سيارة من الولايات المتحدة وحدها بقيمة تقارب 750.7 مليون دولار. وهذه الأرقام تكشف أن سوق السيارات العراقية سوق بمليارات الدولارات، وأن أي خلل في معايير الاستيراد والفحص لا يمكن اعتباره مشكلة فردية تخص تاجرًا أو معرضًا، بل قضية اقتصادية وأمنية واجتماعية واسعة.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا ليس: هل يمكن أن تكون السيارة المستعملة آمنة؟ فهذا أمر ممكن من الناحية الفنية، وإنما: هل يحتاج العراق، في ظروفه الاقتصادية وسوقه المحلية الحالية، إلى فتح أبواب الاستيراد أمام السيارات المستعملة والمتضررة أصلًا؟ فالعراق ليس سوقًا محرومة من السيارات الجديدة، بل توجد فيه شركات ووكلاء وممثلون لعدد كبير من العلامات العالمية، وتتوفر السيارات الجديدة بخيارات متعددة، وبإمكان المواطن شراء كثير منها بنظام التقسيط المريح، وبالدينار العراقي، مع ما توفره الجهات الرسمية والوكلاء من ضمان وخدمات صيانة وما بعد البيع.
ومن ثم فإن استمرار تدفق السيارات المستعملة، ولا سيما تلك التي تحمل تاريخًا مجهولًا أو تعرضت لأضرار وحوادث ثم أعيد تأهيلها، لا يبدو ضرورة تفرضها حاجة المجتمع بقدر ما يبدو سوقًا تجارية توسعت لأنها تحقق هامش ربح مرتفعًا للمستورد والتاجر. وهنا تبرز مفارقة أخرى تستحق أن تُطرح على الدولة والجهات المعنية: كيف يُعقل أن تكون للعراق علاقات تجارية واقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة، وأن يكون المواطن العراقي معروفًا بميله إلى السيارات الأمريكية وثقته بكثير من علاماتها، ثم لا يكون لهذه الشركات حضور رسمي مباشر في السوق العراقية يتيح للمواطن شراء سياراتها الجديدة بضمان الشركة وخدمات ما بعد البيع، في الوقت الذي تصل فيه السيارات الأمريكية إلى العراق عبر الاستيراد الفردي والمزادات الخارجية، وقد يكون بعضها قد تعرض لحوادث أو أضرار جسيمة قبل أن يعاد تأهيله وطرحه في السوق العراقية؟ ولماذا لا تجد الشركات الأمريكية الكبرى في السوق العراقية، بكل ما تمثله من حجم واستهلاك وقدرة شرائية، مبررًا كافيًا لفتح قنوات رسمية لبيع سياراتها الجديدة، بينما يجد المستورد الفردي والتاجر في هذه السوق مجالًا واسعًا لتسويق السيارات المستعملة والمتضررة؟
وتبدأ الحكاية في كثير من الحالات من مزادات السيارات المتضررة، حيث يمكن الحصول على المركبة بأسعار منخفضة مقارنة بقيمتها عندما تكون سليمة. ثم تنتقل إلى حلقات الشحن والإصلاح وإعادة التأهيل، وقد تخضع لأعمال تبديل وطلاء وإصلاح هيكلي أو إلكتروني متفاوتة الجودة، قبل أن تظهر في السوق العراقية بصورة مختلفة تمامًا عن حالتها الأصلية. وقد تكون المشكلة في هذه السلسلة أن معيار النجاح يصبح أحيانًا هو إعادة السيارة إلى السوق بأقل كلفة وأعلى سعر بيع، لا ضمان استعادتها إلى مستوى السلامة الذي كانت عليه قبل تعرضها للضرر.
وهنا يكمن الفارق بين الإصلاح الحقيقي والتجميل التجاري. فالسيارة ليست مجرد أبواب ورفارف وزجاج وطلاء يمكن استبدالها حتى يبدو شكلها جديدًا. هناك هيكل مصمم بطريقة محددة لامتصاص قوة الاصطدام، وهناك مناطق انهيار محسوبة، وأجزاء هيكلية تؤدي دورًا أساسيًا في حماية الركاب، فضلًا عن الوسائد الهوائية وأحزمة الأمان والحساسات ووحدات التحكم الإلكترونية. وقد تبدو المركبة بعد إصلاحها جميلة من الخارج، بينما لا يستطيع المشتري العادي معرفة ما إذا كانت سلامتها الهندسية قد استعادت بالفعل مستواها الأصلي.
وهذه هي أخطر نقطة في القضية: الفارق بين مظهر السيارة وحقيقتها.
فالمواطن عندما يشتري سيارة لا يشتري محركًا وهيكلًا فقط، وإنما يشتري ثقة بأنها ستحميه وتحمي أسرته إذا وقع حادث. أب يضع أبناءه في المقعد الخلفي لا يمكنه أن يرى بعينيه تاريخ الهيكل، ولا يستطيع أن يعرف إن كانت الوسائد الهوائية قد استبدلت فعلًا، أو إن كانت أنظمة السلامة تعمل وفق مواصفات المصنع، أو إن كانت القطع التي ركبت في السيارة أصلية ومناسبة أم مجرد بدائل رخيصة.
وهنا تصبح المعلومات جزءًا من السلامة نفسها. فإذا كان المشتري لا يعرف تاريخ المركبة، فإنه لا يستطيع اتخاذ قرار واعٍ. وإذا كانت الدولة لا توفر له هذه المعلومات أو لا تضمن دقتها، يصبح الاختيار بين سيارة آمنة وأخرى محفوفة بالمخاطر أشبه بالمقامرة.
أما الجانب الربحي من هذه التجارة، فهو واضح في الفارق بين كلفة الحصول على المركبة وقيمتها بعد الإصلاح وإعادة التسويق. فكلما كانت السيارة أرخص بسبب أضرارها في بلد المنشأ، ثم أمكن إصلاحها بكلفة محدودة وبيعها في السوق العراقية بسعر مرتفع، اتسع هامش الربح. وهنا تصبح المأساة التي أصابت السيارة في مكان آخر مادة خامًا لفرصة تجارية في مكان آخر.
قد تكون المركبة قد تعرضت لحادث في بلد المنشأ، فتنخفض قيمتها إلى حد كبير، ثم تدخل سلسلة من الإصلاحات، وتصل إلى السوق العراقية بسعر قد يبلغ عشرات الآلاف من الدولارات. وبين السعرين تتوزع أرباح المستورد والوسيط وورش الإصلاح والتاجر، بينما يتحمل المشتري في النهاية خطر أن تكون القيمة التي دفعها أعلى بكثير من القيمة الحقيقية للمركبة.
لكن خسارة المواطن لا تتوقف عند لحظة الشراء. فإذا كانت السيارة قد أصلحت بصورة غير جيدة، تبدأ رحلة أخرى من الأعطال والصيانة وقطع الغيار، وقد يجد صاحبها نفسه مضطرًا إلى إنفاق مبالغ متكررة على مركبة دفع فيها أصلًا مدخرات سنوات. وقد تصبح إعادة بيعها لاحقًا أكثر صعوبة إذا اكتشف تاريخها الحقيقي، فيخسر جزءًا آخر من أمواله.
غير أن الخسارة المالية، على قسوتها، تبقى أقل خطورة من الخسارة البشرية.
عندما يقع حادث، لا يعود السؤال كم دفع صاحب السيارة ثمنها، وإنما هل كانت قادرة على حماية ركابها؟ فشدة نتائج الاصطدام لا تتحدد بسرعة السيارة أو خطأ السائق وحدهما، بل تتأثر أيضًا بسلامة الهيكل وأنظمة الحماية. ولهذا فإن سلامة المركبة ليست ترفًا فنيًا، وإنما عنصر أساسي في تقليل الإصابات والوفيات عندما يقع الحادث.
وتكشف الأرقام العراقية حجم المأساة المرورية التي يعيشها المجتمع أصلًا. فقد سجل العراق خلال عام 2024 نحو 11,763 حادثًا مروريًا، بينها 2,103 حوادث مميتة، وأسفرت الحوادث المسجلة عن 2,719 وفاة و11,896 إصابة، فيما بلغ عدد حوادث الاصطدام 6,834 حادثًا. كما صنف التقرير الرسمي السيارة سببًا في 1,135 حادثًا، أي ما نسبته 9.6% من مجموع الحوادث، في حين شكل السائق السبب المصنف الأكبر بنسبة 77.6%.
ومن المهم هنا أن نكون دقيقين: هذه الأرقام لا تسمح لنا بالقول إن السيارات المتضررة أو المستعملة مسؤولة عن هذه الوفيات، فلا توجد في الإحصاءات المنشورة بيانات تفصل هذا العامل تحديدًا. لكن ذلك لا يبرر تجاهله، بل يكشف نقصًا ينبغي معالجته. فمن حق المجتمع أن يعرف مدى تأثير حالة المركبة وتاريخها الفني في الحوادث ونتائجها، وأن تكون هذه المعلومات جزءًا من منظومة السلامة المرورية.
والأكثر إيلامًا أن من بين وفيات الحوادث المسجلة عام 2024 عددًا كبيرًا من الأطفال، إذ بلغ عدد الأطفال المتوفين 335 طفلًا. خلف هذا الرقم 335 قصة إنسانية، و335 عائلة فقدت جزءًا من حياتها؛ أمهات انتظرن أبناء لم يعودوا، وآباء تبدلت حياتهم في لحظة، وأسر لم تعد كما كانت.
لهذا لا يجوز أن ننظر إلى قضية السيارات باعتبارها ملفًا تجاريًا منفصلًا عن الإنسان. فالسيارة التي تدخل السوق قد تصبح جزءًا من سلسلة تكاليف يتحملها المجتمع كله: إصلاحات وصيانة وقطع غيار وحوادث وعلاج وتعطيل للعمل، وربما فقدان معيل أو إصابة تقود إلى عجز دائم.
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية الأشد قسوة: الربح يتحقق في السوق بصورة خاصة، بينما يمكن أن تتوزع كلفة الخطر على المجتمع.
وتكشف بيانات التجارة الدولية كذلك حجم النشاط الاقتصادي المحيط بالمركبات؛ فقد بلغت واردات العراق من قطع وإكسسوارات السيارات نحو 610 ملايين دولار في عام 2024. ولا يعني هذا الرقم أن هذه القطع مرتبطة بالسيارات المتضررة تحديدًا، فهو يشمل سوق المركبات وقطعها بصورة عامة، لكنه يوضح حجم النشاط الاقتصادي الكبير الذي يدور حول السيارات من صيانة وإصلاح واستبدال وقطع غيار.
ومن هنا يصبح السؤال الاقتصادي الحقيقي أوسع من إيرادات الاستيراد والجمارك: ما الذي تربحه الدولة من السيارة، وما الذي يخسره المجتمع بسببها؟ وما قيمة الإيرادات إذا كان جزء من المقابل الذي يدفعه المجتمع يأتي لاحقًا في صورة حوادث وعلاج وتعطيل للإنتاج واستنزاف لدخل الأسر؟
الدولة لا تستطيع أن تختزل وظيفتها في تحصيل الرسوم. فحين تسمح بدخول سلعة يمكن أن تؤثر مباشرة في حياة الناس، تصبح مسؤوليتها مرتبطة أيضًا بسلامة تلك السلعة، وبشفافية المعلومات التي يحصل عليها المستهلك.
والسيارة لا تصل إلى الشارع العراقي من تلقاء نفسها. إنها تمر عبر منظومة من الإجراءات: استيراد وشحن ومنافذ حدودية وفحص ومطابقة وتسجيل. وكل حلقة من هذه السلسلة يفترض أن تؤدي وظيفة محددة في حماية المستهلك.
والحكومة العراقية نفسها أقرت بوجود مشكلة تستدعي المعالجة. فقد أعلنت وزارة التجارة ضوابط جديدة، بدأ تطبيقها في عام 2026، تمنع استيراد أنواع محددة من المركبات المتضررة، ومنها المركبات التي تعرضت لحوادث جسيمة أو الغرق أو الحرائق أو التلف، وذلك ضمن المتطلبات الفنية المنظمة لاستيراد المركبات.
وهذا القرار خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يطرح مشكلة أخرى إذا بقيت المعالجة قائمة على تصنيف درجة الضرر.
فحين يصبح السؤال: هل الضرر جسيم أم غير جسيم؟ من يحدد ذلك؟ وبأي معيار؟ ومن يضمن أن المركبة التي تستحق المنع لن تتحول في تقرير آخر إلى مركبة قابلة للاستيراد بعد إصلاح أو إعادة تصنيف؟
عندما يكون وراء التصنيف فارق مالي كبير، فإن التصنيف نفسه يمكن أن يصبح بابًا للضغط أو الاجتهاد أو التلاعب.
ولهذا فإن الحل الأكثر وضوحًا، في تقديري، هو ألا تدخل الدولة في معركة لا تنتهي لتحديد أي سيارة مستعملة تصلح وأيها لا تصلح، بل أن تتجه إلى منع استيراد السيارات المستعملة بصورة شاملة، وبخطة انتقالية مدروسة.
وهذا لا يعني إغلاق سوق السيارات أو حرمان المواطن من وسيلة نقل، وإنما يعني إعادة تنظيمها باتجاه السيارات الجديدة، ولا سيما الاقتصادية منها، مع توفير حوافز جمركية وتمويلية مناسبة، وتشجيع الوكالات والمصنعين، وتطوير النقل العام، ومنح التجار فترة انتقالية للتكيف مع السياسة الجديدة.
فالسيارة الجديدة ليست خالية من الأعطال بطبيعة الحال، لكنها تأتي بتاريخ أكثر وضوحًا، وبمواصفات معلنة، ومسؤولية تصنيع وضمان يمكن تتبعها، بدل الدخول في متاهة تاريخ مركبة قطعت سنوات من الاستخدام في سوق أخرى وقد تكون تعرضت خلالها لحوادث أو إصلاحات لا يعرفها المشتري.
والأهم أن منع استيراد المستعمل يضع حدًا لأصل المشكلة بدل محاولة السيطرة على نتائجها. فبدل أن تقف الدولة عند الحدود لتقرر إن كان الضرر في هذه السيارة جسيمًا أو غير جسيم، يمكنها أن تضع قاعدة أكثر وضوحًا: السوق العراقية ليست ساحة لتصريف المركبات المستعملة القادمة من أسواق الآخرين، وليست مجالًا لتجارب الإصلاح وإعادة التأهيل على حساب المستهلك.
قد يقول البعض إن مثل هذا القرار سيرفع أسعار السيارات ويزيد العبء على المواطن. وهذا اعتراض يجب أخذه بجدية، لكن معالجته لا تكون بترك باب الاستيراد مفتوحًا أمام كل أنواع السيارات المستعملة، وإنما بسياسة اقتصادية متكاملة تخفض كلفة السيارات الجديدة الاقتصادية، وتوفر التمويل الميسر، وتدعم النقل العام، وتمنح السوق وقتًا كافيًا للانتقال.
فالمطلوب ليس أن يدفع المواطن أكثر، وإنما أن يحصل على سيارة أكثر أمانًا مقابل ما يدفعه.
كما أن حماية المستهلك تتطلب أن تكون المعلومات المتعلقة بتاريخ المركبة متاحة وواضحة، وأن يعاقب أي تاجر أو جهة تتعمد إخفاء حقيقة المركبة أو التلاعب بوصفها الفني. ويجب أن تتكامل قواعد بيانات الاستيراد والفحص والتسجيل والحوادث بحيث يمكن تتبع المركبة منذ دخولها البلاد وحتى خروجها من الخدمة.
لأن الدولة التي تعرف عدد السيارات الداخلة إلى البلاد، وعدد السيارات المسجلة، وعدد الحوادث والوفيات والإصابات، يجب أن تكون قادرة على بناء قاعدة معلومات تكشف العلاقة بين حالة المركبة ونتائج الحوادث.
إن ما ينقص العراق ليس السيارات.
ما ينقصه هو منظومة تجعل الإنسان هو الهدف الأول من هذه التجارة، لا مجرد مستهلك في نهايتها.
فإذا كانت السيارة بالنسبة إلى التاجر سلعة، وبالنسبة إلى المستورد فرصة، وبالنسبة إلى الدولة مصدر رسوم، فإنها بالنسبة إلى المواطن وسيلة تحمل أسرته إلى العمل والمدرسة والجامعة والمستشفى ثم تعيدها إلى البيت.
وهذا الفرق وحده كافٍ ليحدد أي مصلحة يجب أن تكون لها الأولوية.
إن حياة الإنسان لا ينبغي أن تدخل في مزاد، وسلامته لا ينبغي أن تخضع لتقدير تاجر أو مرونة فاحص أو ثغرة في تعليمات.
فما نحتاج إلى استيراده ليس السيارات التي استهلكت جزءًا من عمرها في أسواق الآخرين، وإنما التكنولوجيا الآمنة، والمواصفات الحديثة، وثقافة الرقابة، والنقل العام الذي يحترم الإنسان.
وإذا كان العالم يتجه إلى تشديد معايير السلامة والتخلص من المركبات التي لا تستوفي شروطها، فلا يجوز أن يتحول العراق إلى سوق بديلة لما تضيق به الأسواق الأخرى.
فالسيارة قد تكون مستعملة، ويمكن إصلاح المعدن والطلاء والمحرك والقطع.
لكن حياة الإنسان إذا ضاعت في حادث، فلا ورشة تستطيع إصلاحها.
ولهذا فإن القرار الذي ينبغي أن تتجه إليه الدولة ليس فقط منع السيارة التي ثبت أن ضررها جسيم، بل إغلاق الباب أمام المنظومة التي تجعل تصنيف الضرر نفسه مجالًا للربح والتلاعب.
لأن الدولة التي تستطيع أن تمنع الخطر قبل دخوله، لا يحق لها أن تنتظر حتى يتحول الخطر إلى مأساة على الطريق.
وفي النهاية، القضية ليست قضية سيارات مستعملة فحسب، ولا قضية تجار ومستوردين، ولا حتى قضية جمارك.
إنها اختبار حقيقي لوظيفة الدولة:
هل تحمي الإنسان عندما تتعارض سلامته مع الربح، أم تترك الربح ينتصر ثم تطلب من المواطن أن يتحمل النتائج؟
في هذا الاختبار لا ينبغي أن تكون هناك منطقة رمادية.
فالسيارة يمكن استبدالها، والمال يمكن تعويضه، أما الإنسان فلا يُستبدل.
بمناسبة مولده الشريف: جلسة احتفالية (القيم والسلوك ومولد الرسول الأعظم)
بقلم الكاتب : د.فاضل حسن شريف
بسم الله الرحمن الرحيم "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (الجمعة 2) بعد صلاة المغرب تليت آيات من الذكر الحكيم ثم كلمة قصيرة وكلمة سماحة... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ... المزيد
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ... المزيد
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
تشير كتابات ومقالات الدكتور فاضل حسن شريف (التي تناول فيها الألفاظ القرآنية... المزيد
في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"،... المزيد
تطرق الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته ودراساته القرآنية ولغويات المعاجم إلى... المزيد
ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم...
زيد علي كريم /الكفل ليس كلُّ من ربّى اللحية أهلًا لها؛ فبين الناس من يتخذ اللحية تجارة، يقلب...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....
ويستمر الدكتور محمد حسين علي الصغير قائلا في كتابه الصوت اللغوي في القرآن عن علاقة الادغام...


منذ 4 ساعات
2026/09/06
عندما نتحدث عن الدماغ غالباً ما تتجه الأنظار مباشرةً إلى الخلايا العصبية (Neurons)...
منذ 4 ساعات
2026/09/06
لم يَرِد اسم "برج بابل" صراحةً بهذه اللفظة في القرآن الكريم، ولا توجد آية تذكر كلمة...
منذ 3 ايام
2026/09/03
تُعد الجغرافية من أهم العلوم التي تساعد الإنسان على فهم الصحراء واستثمار...