في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"، غرسنا معاً حكايات دافئة، وتقاسمنا فيها تفاصيل صغيرة؛ خبز الأيام، وملح العِشرة، وأسراراً ظننا أن الليل لن يفشيها أبداً.
كانوا يرتدون أقنعة نُسجت من خيوط النور، ملامح ممعنة في الرقة والقرب، حتى خُيل لقلبي الأخضر أن أرواحنا تآخت في السماء قبل أن تلتقي أجسادنا على الأرض. بسلامٍ طفولي، أودعتُ روحي في أكفهم، ونمتُ ملء جفوني مستنداً إلى جدار ثقتهم، واثقاً أن الجدران لا تميل.
لكن الحياة قطارٌ غريب، يسير على سككٍ عوجاء؛ في محطاته المقلوبة، يرتفع الزيف ليتصدر المشهد، بينما يُدفع بالنقاء ليتوارى في الخلف.
فجأة، ومن مسافةٍ لا تفصل بين القلب والقلب، انغرس النصل في الظهر. لم تكن الطعنة مؤلمة لحدة معدنها البارد، بل لهوية تلك اليد الدافئة التي حملتها. التفتُّ لأرى ذلك الوجه الذي طالما أملتُ فيه خيراً، وقد انسلخ عن قناع النور ليفرز ملامح غريبة، تبتسم بانتصارٍ رديء. يا للمفارقة.. أولئك الذين أمسكتُ بأيديهم طويلاً وعلّمتهم كيف يمشون، كانوا أول من ركضوا بخيولهم فوق جراحي.
تتحدث الأساطير الغابرة عن انبعاث العهود المظلمة، وعن دبيب الحياة في عروق طرقاتٍ موحشة، عاد التاريخ ليمهدها كي تُعبد فوقها الآلهة الراقدة في جوف الإثم. هناك، في العتمة الارتدادية للبشرية، يُرفع "بعل" من جديد؛ إله الغدر المكلل بالخديعة، وسيد الشرور التي تفيض بها نفوسٌ خلعت ثوب آدميتها.
حين التفتُّ لتقصّي أثر الطعنة، ونظرتُ في عيونهم، لم أرَ مجرد ملامح بشرية غادرتها المروءة وجفت فيها دماء الحياء، بل أبصرتُ معابداً كاملة البنيان قائمة في مآقيهم، وقرابين من لحمي تُذبح على نيتهم، وتراتيل خفية من المكر تُتلى في محراب ذلك الوثن القديم.
لقد شيّدوا حيواتهم، وجلسوا على عروش صعودهم الزائف، لكنها عروشٌ واهية نُحتت من التواء الخيانة، وقامت على جماجم الوعود. ما أشد مفارقات الوجود؛ إننا نموت مرة واحدة بنصل الغرباء، لكننا نموت ألف مرة في اليوم الواحد لأننا أسندنا أرواحنا إلى جدرانٍ حسبناها قريبة، فكانت أول ما سقط علينا.
وهنا يقف القلب على حافة السؤال الكبير: هل يملك الغدر القدرة على مصادرة حقنا في الأمان وسلبنا فضيلة الثقة بالآخرين تماماً، أم أنه ليس سوى منخلٍ قاسٍ وضعتْه الحياة لتنقية دروبنا من أصحاب الأقنعة والمسوخ؟







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN