تُمثل الأسرة في المنظور الأخلاقي النواة التكوينية الأولى لبناء المجتمع الفاضل والمحضن الإلهي الذي أُودعت فيه أسرار المودة والرحمة غير أن هذه المظلة الاجتماعية والروحية ليست بمعزل عن سنة الابتلاء الإلهي التي تجري على سائر الممكنات بتعاقب الأحوال بين قبض وبسط وعسر ويسر ومن أشد هذه الابتلاءات أثراً في البناء الداخلي للبيت انقباض يد المعيل بعد بسطها وطروء الجائحة المادية على أعوام العطاء والاستقرار وفي هذا السياق لا يعود التحليل الأخلاقي مجرد استعراض لنصائح وعظية بل يرتقي ليكون تنقيباً في "فقه المعاشرة" وموازين الإنصاف لاستكشاف كيف يتحول امتحان الضيق إلى كاشف عن جوهر الوفاء ومحك لمدى تجذر القيم الإلهية في النفوس تجسيداً لرؤية الشارع المقدس وتوجيهات أهل بيت العصمة (عليهم السلام).
لقد اقتضت حكمة المبدأ الأعلى جلت قدرته جعل هذه النشأة الدنيوية دار ممر لا دار مقر وميداناً لتكامل النفوس عبر تعاقب الأضداد فبين بسط وقبض وإعسار وإيسار وعافية ومحنة تتقلب أحوال العباد لتبلوهم أيهم أحسن عملاً وتتجلى هذه السنة التكوينية الصارمة بأعمق تجلياتها في النواة الأولى للاجتماع الإنساني ألا وهي " الأسرة " ذلك الميثاق الغليظ الذي أُسس على قواعد السكينة وشُيد بمداميك المودة ليكون الحصن الذي يأوي إليه الإنسان من عواصف الوجود المادي.
في ساحة هذا الكيان المقدس ينهض رب الأسرة بأعباء جسام باذلاً عصارة جهده ومستفرغاً طاقاته في كدح مستمر نحو تأمين أسباب المعاش يمضي هذا المعيل شطر شبابه وزهرة عمره يحترق كذبالة المصباح ليحيل شقاءه وتعبه إلى نور من الاستقرار ودفء من الأمان يغمر به أهل بيته ومع تطاول الأيام واستمرار هذا الفيض من العطاء قد ينسدل على النفوس ما يُعرف بـ حجاب الألفة والعادة فتستحيل تلك النعم المبذولة والجهود المضنية في نظر بعض القاصرين عن إدراك الحقائق إلى مجرد حقوق اعتبارية ووظائف رتيبة وتغيب عن عين البصيرة تلك الحقيقة الكبرى : أن خلف هذا العطاء المستمر دماً يحترق وعصباً يتلف وروحاً تتفانى في سبيل إسعاد الآخرين .
وحيث إن عالم الإمكان محفوف بالزوال والتبدل قد تقتضي المقادير الإلهية انقباضاً في عالم الأسباب فتكفهر سماء الرزق وتجف منابع الدخل وتتراكم الالتزامات المالية لتطوق عنق المعيل بطوق من الديون والهموم هذا الانكسار المادي لا ينشأ بالضرورة عن تفريط في سعي أو تقصير في تدبير بل هو محض خضوع لسطوة الظروف القاهرة التي تتجاوز قدرة الممكنات وفي هذه المنعطفات الحادة يدخل الرجل في أتون أزمة وجودية طاحنة إذ لا يتمثل الألم لديه في مجرد فقدان النقد بل يتعداه إلى الشعور القاتل بـ تصدع جدار القوامة الذي كان يحتمي به وإحساسه بالعجز عن أداء وظيفته الفطرية كراع ومانح للأمان في هذا المشهد المفصلي يبرز المحك الحقيقي لجوهر العِشرة وتتجلى معادن النفوس وتنصهر الأقنعة في كير الابتلاء فالموازين العقلائية والشرعية تقرر أن الابتلاء بنقص الأموال ليس مؤشراً على نقص في الكرامة ولا دليلاً على هوان العبد على ربه بل هو ظرف عابر يُراد منه استخراج مكنونات الصبر وتجلية مقامات الرضا واختبار مدى تجذر الأخلاق الإلهية في القلوب .
ومقتضى الإنصاف والمروءة بناءً على أسس الحكمة الأخلاقية أن تقف شريكة الحياة في هذه اللحظات موقف العارف المدرك لحقيقة الجواهر والأعراض فالمال وسعة الحال إنما هي أعراض زائلة لا تمس جوهر الإنسان الكريم ولا يصح عقلاً ولا شرعاً أن يُحاكم جوهر الرجل وتُنسف سجاياه بسبب عارض طارئ حل بساحته إن من أوجب الواجبات الأخلاقية في فقه الأسرة أن يُصار هنا إلى ما يشبه استصحاب اليقين السابق في باب الأخلاق فاليقين المتأصل بأعوام البذل والعطاء لا ينبغي أن يُنقض بشك العجز المادي اللاحق والمؤقت فلا يصح اختزال سيرة إنسان أفنى عمره في البناء بلحظة تعثر فرضتها عليه صروف الدهر وقد أولى الشارع المقدس في سير المعصومين (عليهم السلام)
وكلماتهم النورانية اهتماماً بالغاً بالكلمة الطيبة وحسن التبعل لا سيما في أوقات الشدة فالكلمة الكريمة في زمن الرخاء هي من باب التحسينات والكماليات ولكنها في أزمنة الانكسار ترتقي لتكون من أمهات الضرورات إذ تمتلك وجوداً أثرياً قادراً على ترميم الصدوع النفسية الغائرة إن الرجل في لحظة ضعفه المادي يكون أشد ما يكون حساسية وتوجساً فتصبح النظرة القاسية سيفاً يمزق كبرياءه وفي المقابل فإن احتواءه بكلمة صادقة تنبع من قلب مقدر يعدل في ميزان الله أموال الدنيا بأسرها.
إن الزوجة الحكيمة المتخلقة بآداب الشرع ومكارم الأخلاق لا تُطالب في هذه الأزمات بأن تجترح المعجزات لحل الضائقة المالية بل التكليف الموجه إليها أسمى وأعمق إنها مطالبة بأن تكون السكن الروحي والملاذ الآمن أن تنظر في عيني شريكها المنهك لتخبره بلسان الحال والمقال " إن قوامتك محفوفة بالتقدير وإن قيمتك لا تُقاس بما في جيبك بل بما في قلبك من نبل وما في ماضيك من إحسان نحن على بصيرة من سعيك وإن هذه الغمرة حتماً إلى زوال" هذه المعاني العظيمة وإن كانت لا تسدد رقماً في دفتر الديون إلا أنها تسقط عن كاهل الرجل ديناً أعظم هو دين الوحدة وقلق السقوط من عين من يحب .
هكذا يتأكد المبتنى الأخلاقي الأسمى , حين تضيق يد المعيل عن بسط النوال يجب أن تتسع مساحات القلوب وتتقارب الأرواح فالبيت الذي بُني على مداميك التقوى والوفاء يمتنع أن يتحول في ساعة العسرة إلى ديوان للمحاسبة والمقاضاة بل يتسامى ليكون محراباً للرحمة ومستشفى للأرواح المكدودة فمن حفظ لصاحبه سالف عطائه وتغاضى عن طارئ عجزه وكان له ظلاً ظليلاً في هجير الأزمات فقد جسد حقيقة الوفاء وارتقى في مدارج الكمال الإنساني ضارباً أروع الأمثلة في العِشرة التي لا تزيدها نيران المحن إلا صفاءً وبريقاً كحال الذهب الخالص الذي لا يزيده طرق الحدادين إلا لمعاناً واشتداداً.
وصفوة القول في هذا المقام وحصيلة ما تقدم من مبانٍ أخلاقية أن الأزمات المالية ليست سوى عوارض زائلة في مسيرة الحياة الزوجية في عالم المعنى تمثل امتحاناً إلهياً دقيقاً لتمحيص جواهر النفوس واختبار مدى رسوخها في مقامات الوفاء والرحمة فمتى ما تنبهت بصيرة الإنسان إلى أن كرامة المؤمن وقيمته الذاتية أسمى من أن تُختزل في سعة جيبه أو قدرته المادية أدرك أن أقدس واجبات العِشرة يتجلى في جبر كسر القلوب حينما تضيق ذات اليد .
إن شريكة الحياة التي تحفظ لقرينها سابقة عطائه وتكتنفه بفيض سكينتها في أوان عسرته لا تُسجل موقفاً نبيلاً في عالم الاعتبار فحسب بل تُجسد أرقى مراتب التخلق بأخلاق الله وتُشيد لبيتها حصناً منيعاً لا تصدعه نوائب الأيام وعليه لتبقَ هذه القاعدة الأخلاقية حاكمةً في فقه الأسرة: كلما ضاقت سبل المعاش وانقبضت الأكف وجب أن تتسع مساحات الأرواح وتتلاحم القلوب فإن في ذلك سر الدوام وجوهر المودة وتجلي الرحمة الإلهية التي بها قوام البيوت وصلاح النفوس.







د.فاضل حسن شريف
منذ 49 دقيقة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN