كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (14)
بقلم: أحمد السراي
حين يعجزُ الدمعُ عن الوفاءِ
لأبكينَّ على الحسينِ (عليه السلام) رزيةً!
ثمةَ أحزانٌ تنزلُ على القلوبِ كالغيمِ العابرِ، تلبثُ قليلاً ثم تمضي مع مواسمِ الأيامِ، وثمةَ مصائبُ تتجاوزُ حدودَ الحادثةِ لتغدو وطناً مقيماً في الذاكرةِ، كلَّما حاولَ الزمنُ أن يطويها أعادتها الأرواحُ أكثرَ حضورًا وأشدَّ اشتعالاً، ومن بين تلك الرزايا التي لم تستطعِ الأعوام أن تواريها خلفَ ستائرِ النسيانِ، تظلُّ كربلاء واقفةً كجبلٍ من الأسى، تلقي بظلالها على ضميرِ الإنسانيّةِ جيلاً بعد جيلٍ…
إنَّ بعضَ الوقائعِ تُروى بالأخبارِ، وبعضها يُحفظُ في الكتبِ، أما كربلاء فقد كُتبَتْ بمدادٍ من الدمِ والدموعِ، فلا تزالُ حروفها تنبضُ بالحياةِ كلما مرَّ ذكرُ الحسين (عليه السلام) على قلبٍ عرفَ معنى الوفاءِ، وكأنَّ تلك الفاجعةَ لم تقع في يومٍ من أيامِ الأعوامِ السابقةِ، بل وقعَتْ في قلبِ الزمنِ نفسِهِ، فظلَّ صدعها مفتوحاً لا يلتئمُ، وجرحها نازفاً لا تجفُّ دماؤه، ما أقسى أن يجتمعَ المجدُ والمظلوميةُ في رجلٍ واحدٍ، وأن تلتقي في شخصِهِ أنوارُ النبوةِ كلها، ثم يُتركُ وحيداً في صحراءَ موحشةٍ تتكاثرُ حولَهُ السيوفُ كما تتكاثرُ الذئابُ حولَ القمرِ الجريحِ…
هناك... لم يكن المستهدفُ جسداً يرادُ إسقاطُهُ، بل كانَتِ الفضيلةُ نفسها تحاصرُ، وكانَتِ القيمُ الإلهيةُ تُطعنُ في خاصرتها، وكانَ الحقُّ يُدفعُ إلى ساحةٍ أرادها الظالمونَ مقبرةً له، فإذا بها تتحوّلُ إلى منارةٍ تهدي الأجيالَ…
ولم تكنِ المأساةُ في أن الحسين (عليه السلام) قُتلَ، فالموتُ بابٌ يدخلُهُ كلُّ الأحياءِ، وإنَّما كانَتْ في الكيفيةِ التي اجتمعَ بها الغدرُ والقسوةُ والجفاءُ ليصنعوا مشهداً لم تعرفِ الإنسانيّةُ له نظيراً، فها هو سبطُ الرسول (صلى الله عليه وآله)، وريحانةُ الرسالةِ، يقفُ في آخر المطافِ بينَ رمالٍ تلفحها الشمسُ، وقد انفضَّ عنه العالمُ إلّا من ثلةٍ باعوا أرواحهم لله (تعالى)، فيما كانَتِ السماءُ تتهيأ لتشهدَ أعظمَ انتصارٍ أخلاقي عرفَتهُ الأرضُ على هيئةِ شهادةٍ، ومنذُ ذلك اليوم، صارَ الحزنُ على الحسين لغةً لا تحتاجُ إلى ترجمانٍ، تبكيه القلوبُ قبلَ العيونِ، وتنوحُ عليه الأرواحُ قبلَ الكلماتِ، لأنَّ الفاجعةَ لم تتركْ جرحاً فحسب، بل تركْتْ سؤالاً مزلزلاً في وجدانِ الإنسانِ: كيفَ استطاعَتْ يدٌ أن تمتدَّ إلى ذلك الطهرِ كلّهِ؟ وكيفَ استطاعَ الظلمُ أن يبلغَ من الجرأةِ ما يجعلُهُ يرفعُ سيفَهُ بوجهِ حفيدِ النبي؟
ولهذا لم يكن البكاءُ عليه انفعالاً عابراً، بل كانَ احتجاجاً صامتاً على كلِّ أشكالِ الظلمِ، وإعلاناً متجدداً للانتماءِ إلى جبهةِ الحقِّ، فالدمعةُ التي تُذرفُ عندَ ذكرِهِ ليست ماءً يسيلُ من العينِ، بل عهدٌ يتجدّدُ في أعماقِ الضميرِ بأن تبقى كربلاء حيّةً في القيمِ والمواقفِ، لا في الذكرى وحدها، وحين يقبلُ المحرمُ، تشعرُ الأرواحُ أنها تدخلُ موسماً من الحنينِ المقدسِ، تتوشّحُ الأيامُ بالسوادِ، لا لأنَّ اللونَ يكفي للتعبيرِ عن الحزنِ، بل لأنَّ القلوبَ تبحثُ عن أيِّ لغةٍ تستطيعُ أن تحملَ بعضَ ما يعتملُ فيها من الأسى...
غير أنَّ الحقيقةَ تبقى أكبرَ من كلِّ المظاهرِ، فمصابُ الحسين أوسعُ من أن تحتويَهُ الدموعُ، وأعمقُ من أن تستوعبَهُ المراثي، وأبقى من أن تستهلكَهُ السنون، فما زالَتْ كربلاء، بعدَ كل هذا الامتدادِ الزمني، قادرةً على أن توقظَ في النفوسِ شعورَ الألمِ الأول، وكأنَّ الخيولَ لم تبرح أرضَ الطفِّ، وكأنَّ النداءَ الأخيرَ ما زالَ يتردَدُ في أرجاءِ الوجودِ، وما زالَ المحبّون يقفونَ على أعتابِ الذكرى وهم يدركونَ أن ما يقدمونَهُ من دموعٍ وحزنٍ ووفاءٍ، على كثرتِهِ، ليس إلا قطرةً صغيرةً في بحرِ المظلوميةِ العظيمِ...
وهكذا يبقى الحسينُ حقيقةً لا يطويها الزمنُ، ونوراً لا تنالُ منه الظلماتُ، وجرحاً كلما مرت عليه السنون ازدادَ إشراقاً في ضميرِ الأحرارِ، ويبقى الحزنُ عليه شعلةً تتوارثها القلوبُ، لأنَّ بعضَ المصائبِ لا تنتهي بانتهاءِ الحادثةِ، بل تبدأ منها رحلةُ الخلودِ.







محمد عبد السلام
منذ يومين
الفقرُ الثّقافيّ
خليجي 25 .. والشيبة الطاهرة
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN