كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (13)
بقلم: أحمد السراي
على أعتابِ الخيامِ…
كانَ ذلك اليومُ أثقلَ من أن تحملَهُ الأرضُ، وأوجعَ من أن تتّسعَ له القلوبُ...
يومَ انفلتَ فيه الحزنُ من حدودِهِ، حتى خُيلَ إلى الكونِ أنّهُ يترنّحُ تحتَ وطأةِ مصيبةٍ لم تعرفها الليالي من قبلُ…
فكلُّ شيءٍ كانَ ينوحُ...
الرمالُ، والريحُ، وضفافُ الفراتِ، وحتى الصمتُ كانَ يقطرُ ألماً كأنّهُ جرحٌ مفتوحٌ في صدرِ الوجودِ...
لم يكن ما جرى مجرّدَ فاجعةٍ عابرةٍ، بل زلزلةٌ عصفَتْ بأركانِ الرحمةِ في الأرضِ، هجومٌ غاشمٌ على بيوتٍ ما عرفَتْ إلّا الطهرَ، وعلى قلوبٍ تربَّتْ في ظلالِ الوحي، وعلى خيامٍ كانَتْ تفيضُ بذكرِ الله (تعالى) كما يفيضُ الفجرُ بالنورِ، وما إن انطفأتْ سيوفُ القتالِ حتى اشتعلَتْ نارٌ أُخرى أشدّ قسوةً، أحاطَ اللئامُ بخيامِ الطاهراتِ، وتقدّمتِ الأيدي الآثمةُ نحوَ ما لم تمتدّ إليه يدٌ من قبل، عندها تراجعَ الضوءُ خجلاً، وغضَّتِ السماءُ طرفها حزناً، وأخذَتِ الفواجعُ تتدفّقُ تباعاً كالسيلِ إذا انهدَّ عنه السدُّ...
خرجَتِ العقائلُ من الخيامِ مذعوراتٍ، تتعثّرُ الخطواتُ بينَ ألسنةِ اللهيبِ وركامِ المصابِ، كانَتِ العفةُ ترفرفُ حولهن كجناحٍ مكسورٍ، وكانَ السترُ الذي لازمهن عمراً كاملاً يتساقطُ أمامَ قسوةِ المشهدِ كما تتساقطُ أوراقُ الربيعِ تحتَ ريحٍ عاتيةٍ، تلتفتُ مولاتنا زينب (عليها السلام) في الفضاءِ الموحشِ، تستنجدُ بوجوهٍ كانَتْ تملأ المكانَ مهابةً وعزاً، فلم تقع عيناها إلّا على أجسادٍ ساكنةٍ افترشَتِ الثرى والتحفَتِ السماءَ...
هنا العباس وقد سكنَ الصهيلُ في جوانحِهِ… وهناك عليّ الأكبر وقد نامَ على صدرِ الشهادةِ، وعلى امتدادِ الرمالِ تناثرَتْ نجومُ بني هاشم بعدَ أن كانَتْ تضيءُ آفاقَ البطولةِ، وكانَ القلبُ الزينبي يشتعلُ بينَ الضلوعِ احتراقاً لا يشبهُهُ احتراقٌ، مصيبةٌ تتوالدُ من مصيبةٍ، وجراحٌ تلدُ بعضها بعضاً، حتى غدا الحزنُ بحراً لا ساحلَ له…
اقتربَتْ من الأجسادِ الطاهرةِ، وكأنَّ الروحَ تريدُ أن تعانقَ الأرواحَ قبلَ الرحيلِ، كانَتِ الدموعُ تتسابقُ من عينيها فتغسلُ الوجوهَ التي غسلتها السيوفُ بالدماءِ، دموعٌ لا تكفي لفداحةِ الوجعِ، لكنَّها كانَتْ آخرَ ما تملكُهُ القلوبُ الوفيةُ عندَ لحظاتِ الفراقِ… مرَّ الركبُ ببطءٍ، فيما بقيَتِ الأرواحُ معلقةً عندَ ذلك المشهدِ المهيبِ، هناك على شاطئ الفراتِ كانَتِ البطولةُ نائمةً، وكانَتِ المكارمُ مضرجةً بالدمِ، وكانَتِ النبوةُ تودّعُ أبناءها في صمتٍ يفوقُ كلَّ الكلامِ، وفي خضمِّ ذلك الأسى، بدا وكأنَّ الأجسادَ الطاهرةَ تسمعُ النداءَ، نداءً خرجَ من قلبٍ أثقلَتْهُ الفواجعُ، فارتجفَتْ له الرمالُ، وماجَتْ له أرجاءُ الصعيدِ، نداءَ المحبّةِ الأخيرةِ، ونشيجَ الروحِ وهي تلوحُ لمن أحبّتْ قبلَ أن تمضي في دربٍ طويلٍ من الأحزانِ...
ثم انسابَ الركبُ مبتعداً، وبقيَتْ كربلاء خلفَهُ كجرحٍ مفتوحٍ في صدرِ الزمنِ، وبقيَتْ تلك الأجسادُ الطاهرةُ راقدةً على الثرى، لكنها لم تكن غائبةً، كانت حاضرةً في كلِّ دمعةٍ، وفي كلِّ خفقةِ قلبٍ، وفي كلِّ روحٍ تهفو إلى معاني التضحيةِ والوفاءِ…
ومنذُ ذلكَ المساءِ، صارَ للحزنِ وجهٌ يشبهُ كربلاء، وصارَ للوفاءِ صوتٌ يشبهُ زينب، وصارَتِ الدموعُ كلّما جرَتْ على الخدودِ كأنَّها تتمُّ وضوءها عندَ ضفافِ الفراتِ، حيث نامَ الأحبّةُ على ترابِ الشهادةِ، وبقيَتْ أرواحهم تملأ الدُّنيا حياةً ونوراً وخلوداً.







محمد عبد السلام
منذ يومين
هتفَ البشيرُ فَقبِّلْ ابنَكَ ياعَليّ
الشعائر الحسينية وتحقيق العدالة الاجتماعية
بين الجامعة والوسط الأدبي
EN