تتعدد مخلوقات الله تعالى، وتتنوع وظائفها في هذا الكون الفسيح، وكلها تجري وفق إرادته وحكمته. ومن هذه المخلوقات الرياح، التي سخرها الله لتكون تارةً آيةً من آيات رحمته، وتارةً جندًا من جنود نقمته، تحمل الخير حينًا، والعذاب حينًا آخر. ومن بين هذه الرياح المباركة برزت ريح الصبا، التي تهب من مشرق الشمس، فحظيت بمكانة خاصة في القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، حتى غدت رمزًا للنصر، والبشارة، والرجاء.
وقد خلد القرآن الكريم دور هذه الريح المباركة في معركة الأحزاب، حين جعلها الله سببًا في هزيمة المشركين، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].
وجاءت روايات أهل البيت عليهم السلام لتكشف أن هذه الريح كانت ريح الصبا، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «نُصرتُ بالصبا، وأُهلكت عادٌ بالدبور»، كما رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار، ونقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار.
ويزيد الإمام محمد الباقر عليه السلام الأمر بيانًا فيما رواه الشيخ الكليني في الكافي، إذ قال إن لله عز وجل رياحًا للرحمة ورياحًا للعذاب، وإن الصبا هي الريح التي نصر الله بها رسوله يوم الأحزاب. كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنها ريح طيبة تخرج من تحت ركن الشام، وإنما سميت صبا لأنها تصبو من نفح الجنة، أي تميل وتشتاق إلى عبيرها.
ولم يقتصر حضور ريح الصبا على مشهد النصر، بل اقترن أيضًا بقصة نبي الله يوسف عليه السلام، حين حملت بشارة اللقاء إلى قلب يعقوب عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]. وروى القطب الراوندي في قصص الأنبياء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أن ريح الصبا حملت عبق قميص يوسف من مصر حتى بلغ يعقوب، وكانت بينهما مسيرة عشرة أيام.
ومن هنا أصبحت ريح الصبا في الوجدان الإيماني رمزًا للفرج بعد الشدة، والبشارة بعد طول الانتظار، ولم تعد مجرد ريح تهب في الطبيعة، بل غدت في الأدب المهدوي نسيمًا يحمل الشوق إلى يوسف آل محمد، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ولهذا يلهج المؤمنون في أبيات الشوق:
يا رعاك الله يا ريح الصبا. إن تجز يومًا على وادي قبا
سل أهيل الحي في تلك الربى. صاحب الأمر الإمام المنتظر
وعندما يتأمل العاشق هذه الأبيات، يدرك أنها ليست خطابًا للريح بما هي ريح، وإنما هي صورة أدبية رفيعة؛ فالريح جعلت رسولًا يحمل الأشواق إلى الإمام الغائب، فهي رمز للوصل بين المحب ومحبوبه، وبين المنتظر وإمام زمانه.
وحين تهب ريح الصبا، لا تحمل معها نسائم الفجر فحسب، بل توقظ في القلوب أشواقًا طال عليها الانتظار، وكأنها رسول خفي يمر على أفئدة المؤمنين، فيثير فيها ذكر صاحب الأمر، الإمام المنتظر، ذلك الغائب عن الأبصار، الحاضر في الأرواح، الذي ما غاب عن قلب عرفه، ولا ابتعد عن روح أخلصت له الولاء.
لذلك يناجيها المحب قائلًا
رعاك الله يا ريح الصبا... إن مررت بأرض تشرفت بخطوات أوليائه، أو لامست موضعًا يذكر فيه اسمه الشريف، فاحملي سلامًا من قلوب أنهكها الشوق، وأخبريه أن في الأرض عبادًا ما بدلوا عهدهم، ينتظرون وعد الله، ويحيون كل صباح على أمل اللقاء.
قولي له: إن الغيبة لم تطفئ نور محبتك، بل زادته اشتعالًا، وإن طول الانتظار لم يورث القلوب يأسًا، بل علمها الصبر والثبات، لأن المؤمن يعلم أن وعد الله حق، وأن فجر العدل آتٍ وإن طال الليل
يا صاحب الزمان...
إننا لا نبكي غياب شخص، بل نبكي غياب دولة العدل، وزمن الرحمة، واليوم الذي تكسر فيه قيود الظلم، وترفع راية الحق على الأرض كلها. ونشتاق إلى زمان يكون فيه القرآن قائد الحياة، والإنسان مكرمًا بالحق، والضعيف مصونًا بعزة الإيمان.
ربما تمر ريح الصبا على موضع لا نعلمه، فيكون أقرب إليك من كل الطرق التي نعرفها، لذلك نناجيها أن تكون أمينة على رسائل القلوب، وأن تحمل إليك دعوات الأمهات، ودموع المنتظرين، وآهات المظلومين، وآمال الشباب الذين جعلوا الإصلاح منهجًا، والاستقامة طريقًا، والانتظار مسؤولية لا أمنية.
فالانتظار ليس كلمات تقال، ولا عاطفة عابرة، بل هو مشروع لبناء النفس، وتزكية للأخلاق، وإعداد للروح، حتى يكون المؤمن أهلًا لنصرة إمامه إذا أذن الله بالظهور. فكل صلاة بخشوع، وكل موقف مع الحق، وكل إصلاح للنفس، هو خطوة في طريق التمهيد.
رعاك الله يا ريح الصبا... وإذا مررت بسيدي ومولاي، فقولي له: إن في هذه الأمة رجالًا ونساءً ما زالوا يجددون البيعة في كل صباح، ويستحيون أن يلقوا ربهم وقد قصروا في حق إمام زمانهم. وقولي له: إن القلوب لا تزال تنبض باسمه، والألسنة تلهج بالدعاء لتعجيل فرجه، والعيون تترقب اليوم الذي يشرق فيه نور ظهوره، فتبتسم الأرض بعد طول حزنها.
اللهم عجل لوليك الفرج، واجعلنا من الصادقين في الانتظار، والثابتين على الولاية، والمخلصين في الطاعة، والمستشهدين بين يديه إن أدركنا زمان ظهوره، أو المحشورين في زمرة أنصاره إن حالت بيننا وبينه الآجال.
فسلام عليك يا صاحب الأمر، يوم غبت عن الأبصار ولم تغب عن القلوب، ويوم تظهر فتملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، ويوم يفرح المؤمنون بوعد الله، وهو خير الفاتحين.







محمد عبد السلام
منذ يومين
لماذا كان الزلزال في تركيا وسوريا من أقوى الزلازل في التاريخ؟
بعض العلم يقتنص أفراحنا
الموت من أجل الولادة
EN