كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (12)
بقلم: أحمد السراي
ما أشبهَ النارَ بالنارِ!
كأنَّ الأيامَ إذا أرادَتْ أن تفصحَ عن أسرارها أعادَتْ رسمَ المشاهدِ ذاتها، ولكن بأسماءٍ أُخرى، كأنَّ المأساةَ حينَ تعجزُ الكلماتُ عن استيعابها تكرّرُ نفسها لتظلَّ شاهدةً على عظمةِ المظلومِ وضآلةِ الظالمِ.
هنا المدينةُ، وهناك كربلاء، وهنا بيتُ فاطمة، وهناك خيامُ الحسين، غيرَ أنَّ الريحَ التي أوقدَتِ النارَ عندَ البابِ هي ذاتها التي عصفَتْ بأطنابِ الخيامِ، والقلوبُ التي لم ترعَ حرمةَ بضعةِ المصطفى هي ذاتها التي لم تعرفْ للخدرِ الزينبي قداسةً ولا للرسالةِ حرمةً، كأنَّ الزمنَ انحنى على جراحِهِ القديمةِ، ثم عادَ يفتحها بيديه...
فما بينَ البابِ المحترقِ والخيامِ المحترقةِ نسبٌ من الألمِ لا ينقطعُ، وما بينَ الزهراءِ الخارجةِ من خدرها إلى مسجدِ أبيها، وزينب الخارجة من خدرها إلى مجالسِ الطغيانِ، نَسَبٌ مِنَ الصَّبْرِ لا يَنْقَطِعُ، وَصَوْتُ حَقٍّ يَبْقَىٰ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ المَجالِسُ…
كأنَّ الزمنَ حينَ يعجزُ عن نسيانِ مآسيه يعودُ ليكتبها بالحبرِ ذاتِهِ، على صفحاتٍ أُخرى، بل يصرُّ أن يعيدَ إنشادها على مسامعِ الدهورِ، وكأنَّ الجراحَ القديمةَ تأبى أن تندملَ حتى تفتحَ من جديدٍ، فما أشبهَ ذلك اليوم الذي أحاطَتْ فيه الأحقادُ بدارِ فاطمة (عليها السلام)، فأُضرمَتْ هناك عندَ بابِ فاطمة...
كانَ اللهيبُ يتسلّقُ الخشبَ ليطرقَ بابَ النبوةِ، وكانَتْ بضعةُ الرسول (صلى الله عليه وآله) تخرجُ من وراءِ سترها، لا تحملُ في يديها إلّا وجعَ الرسالةِ، ولا في قلبها إلّا همَّ الحقيقةِ، خرجَتْ لتقفَ في وجهِ الانطفاءِ، ولتعلّمَ الأجيالَ أنَّ الحقَّ إذا حوصرَ بالكتمانِ، وجبَ على الصمتِ أن يتحوّلَ إلى خطابٍ…
ثم مرَّتِ السنون فإذا باللهيبِ ذاتِهِ يعودُ إلى كربلاء، لا ليحرقَ باباً هذه المرة، بل ليأكلَ خياماً سكنتها الطهارةُ، واحتضنتها الملائكةُ، وكأنَّ الأحقادَ القديمةَ لم تكتفِ بما فعلَتْ، فعادَتْ تستنسخُ جريمتها على نحوٍ أشدَّ قسوةٍ وأوسعَ ألماً، احترقَ البابُ يوماً، واحترقَتِ الخيامُ يوماً، وبينَ الحريقينِ كانَتِ السماءُ تقرأ المصابَ ذاتَهُ، ولكن بصوتين من نورٍ، فاطمة خرجَتْ من خدرها لتحفظَ وصيةَ أبيها من الضياعِ، وزينب خرجَتْ من خدرها لتحفظَ دمَ أخيها من النسيانِ…
فما أعجبَ هذا التشابهَ!
كأنَّ الابنةَ كَانَتِ المرآةَ التي انعكسَ فيها وجعُ الأمِّ، وكأنَّ الأمَّ كانت النبوءةَ الأولى لصبرِ الابنةِ، هذه وقفَتْ في مسجدِ المدينةِ، وتلك وقفَتْ في قصورِ الطغيانِ، غيرَ أنَّ الموقفَ كانَ واحداً، والرسالةُ واحدةً، والدمعةُ واحدةً، والوجعَ الممتدَّ بينَ القلبينِ واحداً، خرجَتْ فاطمة لا لتشكوَ مصابها، بل لتنتصبَ بملامحِ الرسالةِ كلها، ولتقيمَ الحجةَ على أمةٍ كانَتْ تسمعُ وقعَ انكسارِ الحقِّ ولا تهبُّ لنصرتِهِ… فارتفعَتْ كلماتها فوقَ جدرانِ المسجدِ، لا بوصفها خطبةً تُلقى، بل بوصفها صرخةَ السماءِ في وجهِ الأرضِ، ثم دارَتِ الأعوامُ دورتها الثقيلة، فإذا بزينب تقفُ حيث لا يقفُ إلّا العظماءُ، وقفَتْ على رمادِ الخيامِ، وعلى أنينِ الأطفالِ، وعلى فجيعةِ الأجسادِ المقطّعةِ فوقَ الثرى، تحملُ في قلبها كربلاء كلها، ثم تمضي إلى الكوفةِ والشام، لا أسيرةً كما أرادوا، بل وارثةً لمقامِ البلاغِ، وحاملةً لأمانةِ الدمِ التي عجزَتِ السيوفُ عن إسكاتها، يا لها من مشابهة تدمي الروحَ، يا زينب...
حين أخرجوكَ من بين ألسنةِ النارِ، كانت فاطمة تمشي معك في الطريقِ، وحين وقفتِ أمامَ ابن زياد ويزيد (لعنهم الله تعالى)، كانَ في صوتِكِ رجعُ ذلك الصوتِ الذي دوى يوماً في مسجدِ جدِّكِ، وكأنَّ الكلماتِ التي سقطَتْ من شفتيك لم تكن سوى أصداءَ خطبةٍ قديمةٍ ما زالَتْ ترتّلُ حزنها في ذاكرةِ الزمنِ...
إنها الحكايةُ نفسها، ظالمٌ لا يتغيّرُ، وحقٌّ لا ينكسرُ، ونارٌ تشعلها الأحقادُ، ونورٌ تعجزُ عن إطفائِهِ، فكلما أحرقوا باباً، أنبتَ الله تعالى من الرمادِ منبراً، وكلما أحرقوا خيمةً، أضاءَ من لهيبها صوتاً يفضحُ الجريمةَ…
وهكذا ظلَّتْ فاطمة وزينب آيتينِ من كتابِ الألمِ المقدسِ، إذا بكتْ إحداهما في المدينةِ، سُمِعَ نشيجُ الأُخرى في كربلاء، وإذا ارتفعَ صوتُ هذه بالحقِّ، ردّدَتْ تلك صداه عبرَ الصحارى والقصورِ...
فما أشبهَ اليومَ بالأمسِ، وما أشبه زينب بفاطمة!
نورٌ إذا حاصرَتهُ النارُ ازدادَ إشراقاً، ورسالةٌ كلما أرادوا دفنها، نهضَتْ من بين الرمادِ أكثرَ خلوداً وأشدَّ حضوراً، وشائجَ من النورِ تمتدُّ عبر الزمنِ، كأنَّ الابنةَ لم تكن سوى الصدى العظيمِ لصوتِ أمها، وكأنَ الأم كانت تمهّدُ للأجيالِ طريقَ الموقفِ الذي ستقفُهُ زينب بعدَ عقودٍ من الوجعِ، هناك أُريدُ للنارِ أن تطفئ صوتَ الزهراء، فإذا بها تزيدُهُ امتداداً، وهنا أريدُ للنارِ أن تلتهمَ آخرَ ما بقيَ من معالمِ الحسين، فإذا بها تُشعلُ في قلبِ زينب منابرَ لا تنطفئ، وكأنَّ الظالمين لم يدركوا أن النارَ لا تأكلُ إلّا الخشبَ والقماشَ، أما المبادئ فإنَّها كلما لامستها النيرانُ ازدادَتْ توهجاً، وكلما حاصرها الطغاةُ ازدادَتْ رسوخاً في وجدانِ الأحرارِ.
فسبحانَ من جعلَ من الزهراء فاتحةَ الموقفِ، ومن زينب خاتمتَهُ المشرقةَ، هذه رفعَتْ لواءَ الحقِّ يومَ استوحشَتِ المدينةُ من صوتِ الحقيقةِ، وتلك حملَتْهُ يوم أظلمَتْ كربلاء بغيابِ الشمسِ التي سقطَتْ على الثرى، وإذا كانت فاطمة قد وقفَتْ بينَ جدرانِ المسجدِ لتدافعَ عن الإمامةِ المغصوبةِ، فإنَّ زينب وقفَتْ بينَ عروشِ الطغاةِ لتدافعَ عن الإمامةِ المذبوحةِ.
فيا للعجب...
كأنَّ الزهراء حين خطبَتْ كانَتْ تكتبُ السطرَ الأول من ملحمةِ الصبرِ، وكأنَّ زينب حينَ خطبَتْ كانت تُتمُّ السطرَ الأخيرَ منها، وهكذا ظلَّتِ الرسالةُ تمضي من قلبٍ إلى قلبٍ، ومن نورٍ إلى نورٍ، ومن جرحٍ إلى جرحٍ، حتى غدَتْ فاطمة وزينب صفحتينِ من كتابٍ واحدٍ، إذا احترقَ البابُ في أولِهِ احترقتِ الخيامُ في آخرِهِ، وإذا ارتفعَ صوتُ الزهراءِ في المدينةِ ارتفعَ صداه في الشامِ على لسانِ زينب، ليبقى الحقُّ مهما تكالبَتْ عليه الأعداءُ… عصياً على الاحتراقِ.







محمد عبد السلام
منذ يومين
مؤامرة أم "نظرية المؤامرة"
أنا عراقي أين أقرأ ؟
أشباه السيارت
EN