مَشى الدهرُ يوم الطفّ أعمى فَلَمْ يَدَعْ
وجشَّمهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا المسرى ببيداءَ قفرةٍ
ولم ترَ حتَّى عينُها ظلَّ شخصِهــــــــــــــــــــــــــا عماداً لهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا إلاَّ وفيه تعثَّرا
ولم تدرِ قبلَ الطفّ ما البيدُ والسُّرى
إلى أن بدتْ في الغاضريَّة حُسّـــــــــــــــرا
تختزل المحطات الزمنية والنفسية القاسية التي مرت بها عائلة الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف تدرجاً مؤلماً من المعاناة، إذ يمر خط المأساة في كربلاء عبر محطات زمنية متعاقبة، يعصر كل منها القلوب بمرارة الفقد والوحشة؛وهنا نمر بأشرس ثلاثة مراحل.. حيث تبدأ بـ "ليلة عاشوراء" ليلة الوداع الموجع التي جمع فيها الإمام الحسين (عليه السلام) أهل بيته وأصحابه، وأذن لهم بالرحيل لينجوا بأنفسهم، لكنهم أبوا إلا المواساة والتضحية، فكانت ليلة مفعمة بالصلوات، والدموع، والاستعداد الواعي للموت المحتوم في سبيل المبدأ. ثم تأتي "ليلة الوحشة" ليلة فراق الأحبة ونجوم الأرض من آل عبد المطلب والثلة من أصحابهم أنصار دين الله ، حيث بقيت النساء والأطفال بلا حامٍ ولا كفيل، وسط الخيام المحروقة، وفي برية قفرة ملأتها أجساد الشهداء المضرجة بالدماء. وتكتمل المأساة بـ "مسيرة سبْيِ الحرائر"، والتي تمثل قمة المحاولة الأموية لكسر إرادة أهل البيت وإذلالهم، من خلال اقتياد نساء بيت النبوة كسبايا من كربلاء إلى الكوفة ثم الشام، وعرضهم أمام العامة كخوارج هُزموا في المعركة.
فِي كَرْبَلَاءَ، كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَنْطِقُ بِالْأَلَمِ، وَكُلُّ مَشْهَدٍ كَانَ يُقَطِّعُ نِيَاطَ الْقَلْبِ ورغم هذا الانتهاك الصارخ لكل القيم الإنسانية، تأتي الخاتمة الصادمة لكل المقاييس المادية على لسان العقيلة: "ما رأيتُ إلا جميلاً" هذه العبارة التي أطلقتها في وجه الطاغية عبيد الله بن زياد في الكوفة، تحولت من مجرد ردٍّ عابر في موقف عصيب إلى منهج فكري، وروحي، وأخلاقي متكامل في فهم الابتلاء وصناعة النصر من رحم الانكسار الظاهري.. لتتوج جهادها بأعظم كلمات الصبر التي خطت من نور على جبين الدهور.
كيف يمكن لامرأة شهدت مقتل إخوتها وأبنائها، وحرق خيامها، وتشريد وترويع عائلتها أن ترى في ذلك "جمالاً"؟ تكمن الإجابة في الرؤية التوحيدية والرسالية التي تغض الطرف عن الماديات والشاخصة نحو عظمة الملكوت؛ فثمة جمال أصيل في التضحية من أجل المبدأ، حيث إن تقديم الغالي والنفيس للحفاظ على قيم الحق والعدالة، ورفض البيعة للظلم، هو أسمى مراتب الجمال الأخلاقي والإنساني. كما يتجلى في موقفها الرضا والتسليم المطلق وقدرتها على رؤية الحدث بعين القرب من الله، فما دام هذا البلاء بعين الله وفي سبيله، فإن النفس المطمئنة تلتمس فيه الرضا والكمال. أضف إلى ذلك إدراكها بعين بصيرتها للانتصار التاريخي المسبق، وأن دماء الشهداء ستتحول إلى ثورة ممتدة عبر الأجيال، وأن عروش الطغاة ستزول وتتحول إلى رماد، بينما يبقى الحسين (عليه السلام) ونهجه حياً نابضاً في ضمير الإنسانية إلى يوم يبعثون.
تعد هذه الرؤية مدرسة متكاملة في الصمود النفسي وإعادة تأطير المعاناة وتحويل الانكسار إلى عزة؛ فقد رفضت السيدة زينب (عليها السلام) أن تعيش دور "الضحية المستسلمة"، ورغم السبي والقيود، لم يتسلل الضعف إلى خطابها، بل تحدثت من موقع المنتصر أخلاقياً وقيمياً، وجردت الجلاد من نشوة انتصاره العسكري المؤقت. وعندما حاول عبيد الله بن زياد الشماتة قائلًا: "كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟"، نسفت هذه الكلمة البسيطة كبرياءه الأموي، وأثبتت له أن القتل لم يكن عقاباً إلهياً كما زعم، بل كرامة منحها الله للشهداء، وخزي أبدي حاق بالقاتلين، مما ساهم في تحطيم كبرياء الاستبداد تماماً.
هي رسالة حية ومستمرة لكل إنسان يواجه الظلم ودعوة للارتقاء بالوعي فوق مستوى الألم اللحظي، والنظر إلى الجانب المشرق والمثمر من الابتلاءات، والإيمان الراسخ بأن التمسك بالحق والكرامة -مهما كان ثمنه باهظاً- هو الجمال الحقيقي والخلود الفعلي الذي لا يمحوه الزمن. سَلَامٌ عَلَى مَنْ رَأَتِ الْجَمَالَ فِي الْمَوْتِ، وَأَبْصَرَتِ الْأَمَلَ فِي السَّبْي.. وزلزلت عروش الكفر والبغي بـ" فوالله لن تمحو ذكرنا".







محمد عبد السلام
منذ يومين
٦ × ٦ = ٣٢
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
المراد بالفطرة الإنسانية
EN