ميزان الرويّة درع من الاندفاع الخاسر
تعتبر الحكمة هي الميزان الذي يضبط حركة الإنسان وسكونه وفق ما يجري عليه العقلاء، فكل حركة من قول أو عمل، إقدام أو إحجام، إذا لم تخضع لقوانين العقل والشرع كانت أقرب للإفساد منها للإصلاح؛ لأنّها من السفه نعوذ بالله..
وغير خافٍ خطورة الاندفاع العشوائيّ الذي يتجاوز التبصّر في العواقب هو سمةُ من لم يحكم قياد نفسه، وهو ممّا يوقعه في مضائق التعب والحسرة والندامة ويوقعه في السوء بالاختيار.
نجد القرآن الكريم يذكر التأني ويبيّن وزن الموقف في قوله تعالى: ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) [الإسراء: 36]؛ فالآية الكريمة تنهى عن التسرّع في اتباع الظنّ أو الاندفاع وراء كلّ مسموع ومرئيّ دون تثبّت، وتجعل الإنسان مسؤولاً عن كلّ مخرج من مخارجه.
وقد وردت رواية _ في بيان خطورة تضييع العمر بالاندفاع غير المحسوب_ في بحار الأنوار ج٧: عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) " لا يزول قدم عبد يوم القيامة بين يدي الله عز و جل حتی يسأله عن أربع خصال عمرك فيما أفنيته و جسدك فيما أبليته و مالك من أين كسبته و أين وضعته و عن حبنا أهل البيت".
تُرى كيف أجيب في حال كنت من هؤلاء المندفعين بلا وعي ولا بصيرة ولا برهان مبين؟ كيف أجيب لو سألني من خلقني عن تعظيم التافهين بسبب الإندفاع؟
إن الانخراط مع الجموع والانسياق وراء "العقل الجمعيّ" دون تمحيص ليس دائماً من الحكمة؛ فالحكيم هو من يبحث عن "لوازم العمل" قبل الشروع فيه، ويتساءل: إلى أين يؤدّي هذا المسار؟ ومن يغفل عن استشراف النتائج يجد نفسه في زاوية ضيقة، حيث لا ينفع الندم على فعل لم يُدرس.
فالحكمة تقتضي أن يكون النطق بحساب، والسكوت بميزان، والإقدام بعد بصيرة، والإحجام عن علم. وبذلك يسلم المرء من "الضيق" الذي يسببه التخبّط والنزق، ويوفر جهده من "التعب" الذي لا ثمرة له، بل هو الذي لا يقدم عليه العقلاء عادة.
فالطريق الواضح الذي تسلكه بتؤدة خير من طريق مزدحم تسلكه بظلمة الاندفاع وغياب الوضوح؛ ليكون عملك متسقاً مع الغايات السامية، بعيداً عن عواصف التسرّع التي لا تذر ولا تبذر.
● السيّد رياض الفاضليّ







اسعد الدلفي
منذ ساعتين
المرجعية صرح شاهق
إعمار البصرة
واقعة الغدير.. دلالات وتأملات (1)
EN