يمثل البحث العلمي حجر الزاوية في بناء الاقتصادات المعرفية المستدامة، والمحرك الأساسي للسيادة التنموية لأي دولة. كما يعكس حيوية منظوماتها الأكاديمية وقدرتها على توليد معرفة أصيلة تخدم تقدم المجتمع. إلا أن العراق، على الرغم من امتلاكه رأسمال بشرياً مؤهلاً وشبكة جامعية واسعة، يواجه أزمة هوية ووظيفة في قطاع البحث العلمي. تتجلى هذه الأزمة في هيمنة المؤشرات الكمية على حساب النوعية، وتغليب الشكليات الإجرائية على الأثر العلمي الحقيقي، مما يعكس خللاً بنيوياً عميقاً في السياسات وآليات الحوكمة. لذا، بات من الضروري إجراء مراجعة نقدية شاملة لمنظومة البحث العلمي، والاسترشاد بتجارب دولية ناجحة كماليزيا والهند وتركيا، التي استطاعت تحويل البحث العلمي إلى رافعة فاعلة للتنمية.
تأتي آليات تقييم الأداء الأكاديمي والترقيات العلمية في مقدمة الإشكاليات المحورية. فالنظام المعتمد في العراق لا يزال يكرّس معياراً أحادياً يتمثل في العدد الكمي للأبحاث المنشورة، متجاهلاً أبعاداً جوهرية كالأصالة، والتأثير العلمي (Impact Factor)، والقيمة التطبيقية. هذا النهج ليس مجرد قصور إداري، بل هو سياسة تنتج تضخماً بحثياً وتفضي إلى تكريس الرداءة على حساب الإبداع. لقد أدركت دول أخرى هذا الخلل مبكراً؛ فالهند، على سبيل المثال، أجرت إصلاحات هيكلية منذ تسعينيات القرن الماضي لربط الترقية بمؤشرات الاقتباس (Citations) والأثر الصناعي. أما ماليزيا، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر مواءمة سياسات التقييم مع الأولويات الاقتصادية الوطنية، وتشجيع النشر في المجلات المفتوحة المصدر والمفهرسة عالمياً لتعزيز الشفافية والتأثير. وفي تركيا، أصبحت براءات الاختراع والمشاريع المشتركة مع القطاع الخاص جزءاً لا يتجزأ من مؤشرات الأداء. إن استمرار العراق في هذا المسار لن يؤدي إلا إلى تقويض الثقة بالبحث العلمي كأداة للتغيير المجتمعي.
على صعيد متصل، تتفشى ظواهر النشر الزائف والاحتيال الأكاديمي كأعراض لانهيار المنظومة الأخلاقية للبحث. فمع انتشار "المجلات المفترسة" و"مصانع الأوراق البحثية"، إلى جانب ممارسات الانتحال وتزوير البيانات، تتشكل بيئة أكاديمية طاردة للكفاءات، تكافئ السلوك النفعي وتعاقب الباحث الملتزم. هذه الظواهر السرطانية واجهتها دول أخرى بحزم؛ حيث أسست الهند هيئات متخصصة كوحدة أخلاقيات البيولوجيا في المجلس الهندي للبحوث الطبية (ICMR) للتحقيق والمحاسبة، بينما ربطت تركيا التمويل البحثي مباشرةً بالالتزام الأخلاقي الصارم. إن العراق بحاجة ماسة إلى تأسيس هيئة وطنية مستقلة لأخلاقيات البحث العلمي، تتمتع بصلاحيات تنفيذية وقضائية، تتجاوز اللجان الداخلية الشكلية محدودة التأثير، لتعيد للنزاهة الأكاديمية اعتبارها.
ولا يمكن فصل أزمتي النوعية والأخلاقيات عن معضلة التمويل. فالواقع الحالي الذي يضطر فيه الباحث العراقي إلى تحمل تكاليف بحثه شخصياً يمثل خصخصةً لعبء البحث العام، ويقوّض الدوافع نحو الابتكار ويحد من الطموحات العلمية الكبرى. تقدم التجربة الماليزية نموذجاً مضيئاً، حيث أدى تخصيص نسبة ثابتة من الناتج المحلي الإجمالي للبحث والتطوير إلى طفرة نوعية في جودة المخرجات البحثية وبراءات الاختراع. كما أطلقت الهند صناديق تمويل تنافسية، مثل مجلس دعم الأبحاث العلمية والهندسية (SERB)، التي تستهدف دعم الباحثين الشباب والمشاريع عالية المخاطر والجودة. إن تأسيس صندوق وطني مستقل للبحوث في العراق، يعمل وفق معايير الجدارة التنافسية والحوكمة الرشيدة، ويدار بعيداً عن المحاصصة، يمكن أن يشكل نقطة تحول حاسمة لاستعادة عافية البحث العلمي.
أما فيما يتعلق بالمؤشرات والإحصاءات، فإن الأرقام التراكمية التي تُعلن دورياً حول "أعداد الأبحاث" تقدم وهماً إحصائياً وتخفي وراءها حقيقة متواضعة. فالقيمة الحقيقية للإنتاج العلمي لا تكمن في عدده، بل في أثره. من هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من ثقافة "الكم" إلى فلسفة "الأثر"، عبر تبني مؤشرات نوعية متعددة الأبعاد: عدد الاقتباسات، مؤشر "إتش" (h-index) للباحثين والمؤسسات، عدد براءات الاختراع المسجلة دولياً، حجم النشر في مجلات النخبة العالمية (مثل Nature وScience)، ومدى نجاح الباحثين في استقطاب تمويل دولي تنافسي. هذا التحول هو ما مكن تركيا وماليزيا من بناء سمعة بحثية دولية، عبر التركيز على التعاون الدولي والمخرجات ذات القيمة المضافة للاقتصاد والمجتمع.
ختاماً، إن إصلاح منظومة البحث العلمي في العراق ليس مجرد عملية فنية، بل هو مشروع إنقاذ وطني يتطلب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية. يبدأ هذا الإصلاح بإعادة تعريف معايير النجاح الأكاديمي، ويمر عبر بناء منظومة أخلاقية رادعة، ويرتكز على تمويل مؤسسي مستدام، وينتهي بتبني مؤشرات أداء تقيس الأثر الحقيقي للمعرفة. التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن الإصلاح ممكن حين تتوافر القيادة الرشيدة والحوكمة الفعالة. والمطلوب في السياق العراقي ليس إعادة اختراع العجلة، بل تهيئة بيئة مؤسسية عادلة وشفافة، تحفز الباحث على أن يكون منتجاً للمعرفة لا مجرد موظف يلاحق أرقاماً شكلية. إن مستقبل العراق المعرفي لن يُبنى على ضجيج الأرقام، بل على القيمة المضافة والأثر المستدام للمعرفة الحقيقية.







محسن حسنين مرتضى السندي
منذ 4 ساعات
٦ × ٦ = ٣٢
شخصية تسير مع الزمن !
العمل التطوعي لمجتمعٍ متراحم
EN