السيادة الرقمية في عصر المدار المنخفض: التجربة الإيرانية في تحييد الاتصال الفضائي
قراءة في فيزياء التشويش، إدارة الطيف، وحدود الاختراق الاتصالي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
10/02/2026
في اللحظة التي أُعلن فيها، سياسيًا وإعلاميًا، عن نية إتاحة الإنترنت الفضائي عبر منظومة ستارلينك داخل الأراضي الإيرانية، بدا الأمر في ظاهره وكأنه اختراق تقني حاسم لجدار السيادة الاتصالية، وكأن السماء قد فُتحت قسرًا فوق دولة مغلقة. غير أن ما تلا ذلك كشف أن الصراع لم يكن بين “قمر صناعي” و“دولة”، بل بين نموذجين مختلفين لفهم الاتصال: نموذج يرى الشبكة بوصفها فضاءً عابرًا للحدود لا يخضع إلا لمن يملكه تقنيًا، ونموذج آخر يدرك أن كل إشارة، مهما أتت من المدار، لا بد أن تلمس الأرض في النهاية، وهناك تحديدًا تُحسم المعركة.
لم تتعامل إيران مع هذا التطور بوصفه خدمة إنترنت بديلة، بل باعتباره بنية اتصال ذات حمولة سياسية وأمنية عالية، قادرة – نظريًا – على كسر منظومة السيطرة المعلوماتية في لحظات الاضطراب. لذلك لم يكن الرد خطابيًا أو إعلاميًا، ولم تُستنزف الدولة في سجال حول “حرية الإنترنت” أو الحق في الوصول المفتوح، بل انتقلت مباشرة إلى مستوى أعمق وأكثر برودة: تحييد الفعالية العملية للمنظومة من دون الانزلاق إلى وهم المنع المطلق. فالتجارب التقنية الحديثة تُظهر أن المنع الشامل غالبًا ما يكون قصير العمر، في حين أن الإضعاف الذكي طويل الأمد يحقق نتائج أكثر رسوخًا وأقل كلفة.
من الناحية الفيزيائية البحتة، تعتمد منظومة ستارلينك على آلاف الأقمار الصناعية ذات المدار المنخفض، المصممة لتوفير زمن تأخير صغير وسعات نقل مستقرة نسبيًا، شرط توافر وصلة أرضية نظيفة ومستقرة بين القمر وجهاز المستخدم. هذه الوصلة، على بساطتها الظاهرية، هي الحلقة الأضعف في السلسلة كلها، لأنها تخضع مباشرة لقوانين الانتشار الكهرومغناطيسي، ولإمكانات الرصد، وللتشويش، وللتحكم الطيفي. هنا تحديدًا تركزت المقاربة الإيرانية، لا على القمر الذي لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، بل على الإشارة التي يمكن تشويهها أو إنهاكها إلى حد فقدان قيمتها العملية.
اعتمدت هذه المقاربة على تشويش انتقائي ومدروس، لا على تشويش أعمى واسع النطاق. فالتشويش الشامل مكلف طاقيًا، ويؤثر في منظومات الاتصالات الداخلية، كما أنه يكشف مصدره بسرعة. أما التشويش الانتقائي فيستهدف نطاقات تردد محددة، ويُستخدم بزمن متقطع، لا بهدف قطع الإشارة نهائيًا، بل بهدف رفع مستوى الضجيج الراديوي المحيط بها. النتيجة ليست انقطاعًا دائمًا يسهل التحايل عليه، بل اتصالًا متذبذبًا، غير قابل للتنبؤ، يفشل في تلبية المتطلبات الأساسية لأي نشاط يعتمد على الاستمرارية والاعتمادية.
وعلى المستوى الفيزيائي الدقيق، تقوم هذه العملية على التحكم بنسبة الإشارة إلى الضجيج داخل الوصلة الأرضية. فالاتصال الرقمي لا يعتمد على وجود الإشارة وحده، بل على تفوقها الواضح على الخلفية الضوضائية في المجال الطيفي نفسه. وعندما تُحقن في الوسط الكهرومغناطيسي طاقة تشويش محسوبة، سواء ضمن نفس نطاق التردد أو في نطاقات قريبة تولّد تداخلًا فعالًا، فإن قدرة جهاز الاستقبال على فك التضمين تنخفض بصورة حادة، حتى وإن بقيت الإشارة الأصلية قائمة من حيث المبدأ الفيزيائي. ولا يتطلب هذا التشويش طاقة عالية أو بثًا مستمرًا؛ يكفي أن يُرفع مستوى الضجيج لحظيًا وبشكل متقطع حتى يفقد بروتوكول الاتصال تزامنه واستقراره، فتنهار جودة النقل، وتتضاعف الأخطاء، ويصبح الاتصال غير صالح للاستخدام العملي.
إلى جانب التشويش، لعب رصد الترددات دورًا حاسمًا في تقويض جدوى الإنترنت الفضائي. فأجهزة الاستقبال الأرضية، مهما صغُر حجمها أو بُسّط تصميمها، لا تعمل بصمت كامل، بل تترك توقيعًا طيفيًا مميزًا ناتجًا عن عملية الإرسال والاستقبال المستمرة. هذا التوقيع يمكن التقاطه عبر منظومات مراقبة تعتمد على قياس شدة الإشارة، واتجاهها، وتغيرها الزمني، ما يسمح بتقدير موقع المصدر بدقة مقبولة عملياتيًا. عند هذه النقطة، يتحول جهاز الاستقبال من أداة اتصال سلبية إلى باعث نشط في الفضاء الكهرومغناطيسي، قابل للكشف والتتبع، وهو ما يرفع الكلفة الأمنية لاستخدامه، حتى قبل الوصول إلى أي إجراء قسري مباشر.
الأهم من ذلك أن عملية مقاطعة الترددات لا تعني إسكات القمر الصناعي نفسه أو تعطيل المنظومة من جذورها، بل تعني تعطيل اكتمال الحلقة الاتصالية. فالقمر يظل في مداره، والإشارة تظل تُبث، لكن الوصلة الأرضية تصبح عاجزة عن الحفاظ على الشروط الفيزيائية اللازمة لعمل الاتصال بكفاءة. عندها تفقد ستارلينك ميزتها الأساسية، أي الاتصال المستقر منخفض التأخير، وتتحول إلى قناة هشّة، لا تصلح إلا لاستخدامات طارئة ومحدودة، محفوفة بالمخاطر التقنية والأمنية.
هذا التفريغ التدريجي للفعالية هو ما جعل الاستفادة من الإنترنت الفضائي داخل إيران شبه معدومة، لا لأن الخدمة غير موجودة نظريًا، بل لأنها غير قابلة للاعتماد عمليًا. فالإنترنت، في بعده السياسي والوظيفي، ليس مجرد وصول عابر إلى شبكة عالمية، بل قدرة على التنظيم، والبث، والتنسيق، والاستمرارية. وعندما يصبح الاتصال متقطعًا، بطيئًا، معرضًا للانهيار في أي لحظة، فإنه يفقد قيمته كأداة تأثير، ويتحول إلى عبء على مستخدمه بدل أن يكون وسيلة تمكين.
في الوقت نفسه، لم تُترك الساحة فارغة. فقد ترافقت هذه الإجراءات مع تعزيز البنية المحلية للاتصال، وتوسيع الشبكات الوطنية، وتوفير خدمات داخلية “كافية وظيفيًا” لتسيير الحياة اليومية، حتى وإن كانت خاضعة للرقابة. هذا البعد لا يقل أهمية عن التشويش ذاته، لأن نجاح أي استراتيجية تحييد لا يعتمد فقط على القوة التقنية، بل على تقليص الدافع إلى المخاطرة. فكلما انخفضت الحاجة العملية إلى البديل الخارجي، تراجع انتشاره تلقائيًا.
ما تكشفه هذه التجربة أن الخطاب الشائع حول “تحرير الإنترنت عبر الأقمار الصناعية” يتجاهل حقيقة أساسية: التقنية لا تعمل في فراغ سياسي أو أمني. فالأقمار قد تتجاوز الحدود الجغرافية، لكن الإشارات لا تتجاوز قوانين الفيزياء، ولا تنفصل عن واقع الأرض. والسيادة الرقمية لا تُمارس فقط عبر التحكم بالكابلات أو مراكز البيانات، بل عبر إدارة الطيف الترددي، ومعادلة الكلفة والمخاطر، والتحكم بنسبة المنفعة إلى الخطر.
بهذا المعنى، لم تُهزم ستارلينك عسكريًا أو تقنيًا، ولم تُمنع قانونيًا بشكل مطلق، لكنها جُرّدت من قدرتها على إحداث أثر واسع. وهذا هو جوهر الاستراتيجية: ليس إسكات الصوت، بل جعله غير مسموع بما يكفي ليبقى بلا تأثير. إنها مقاربة علمية–أمنية ترى الاتصال كمنظومة فيزيائية وسياسية مركبة، لا كمنتج تجاري يمكن إنزاله من السماء وتوقع نتائج حاسمة منه.
ومن هنا، فإن الحالة الإيرانية لا تمثل استثناءً، بل تقدم نموذجًا لكيفية تعامل الدولة مع تقنيات الاتصال العابرة للحدود في عصر المدار المنخفض، نموذجًا يؤكد أن الصراع القادم لن يكون بين من يملك الإنترنت ومن يُحرَم منه، بل بين من يفهم الاتصال كمعادلة شاملة تحكمها الفيزياء بقدر ما تحكمها السياسة، ومن يظنه مجرد إشارة حرة لا يمكن إخضاعها.
وفي المحصلة النهائية، أثبتت التجربة الإيرانية أن السيطرة على المجال الجوي لم تعد حكرًا على الطائرات والرادارات التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الكهرومغناطيسي بوصفه بعدًا سياديًا لا يقل أهمية عن البر أو البحر. فالقدرة على تحييد منظومة اتصالات فضائية متقدمة، دون مواجهة مباشرة مع الأقمار نفسها، كشفت عن مستوى تكنولوجي متقدم في فهم الطيف الترددي، وإدارة الإشارة، ودمج الأدوات الفيزيائية بالأطر الأمنية والقانونية. هذا الواقع لم يمر دون أن يُحسب حسابه من قبل الفاعلين الآخرين، إذ بات واضحًا أن أي محاولة لاختراق الأجواء الإيرانية، سواء كانت اختراقًا ماديًا أو اتصاليًا، ستواجه بيئة معقدة لا تسمح بالعمل الحر أو غير المكلف. وبهذا المعنى، لم تكن النتيجة محصورة بالساحة الداخلية، بل حملت رسالة ردع غير مباشرة إلى الخارج، مفادها أن التفوق التقني لا يُقاس بامتلاك المنظومات فقط، بل بالقدرة على تعطيل منظومات الخصم في نقاط ضعفها. كما قدّمت هذه التجربة درسًا مهمًا لبقية الدول، خاصة تلك التي تواجه ضغوطًا مشابهة، في أن بناء السيادة الرقمية لا يمر بالضرورة عبر امتلاك أحدث الأقمار أو أوسع الشبكات، بل عبر فهم عميق لقوانين الفيزياء، واستثمار ذكي في التحكم بالطيف، وتكامل واعٍ بين التقنية والاستراتيجية. وبهذا، يمكن القول إن التجربة الإيرانية في هذا المجال كانت ناجحة بامتياز، ليس لأنها أغلقت السماء، بل لأنها أعادت تعريف ما يعنيه أن تكون السماء مُسيطرًا عليها.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
عراق الحسين (ع) - من وحي الأربعينية
كيف تعامل المصطفى (ص) مع الشباب؟
العنف والرأي الجمعي
EN