من كتاب
الاربعين لمحمد بن مسلم بن أبي الفوارس ، عن علي بن الحسين الطوسي ، عن مسعود بن
محمد الغزنوي ، عن الحسن بن محمد ، عن أحمد بن عبد الله الحافظ ، عن الطبراني ، عن
عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن إسماعيل بن موسى الفزاري ، عن تلميذ بن سليمان ، عن
أبي الجحاف ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : كان النبي صلى الله عليه وآله
ذات يوم جالسا بالأبطح وعنده جماعة من أصحابه وهو مقبل علينا بالحديث إذ نظر إلى
زوبعة قد ارتفعت ، فأثارت الغبار وما زالت تدنو والغبار تعلو إلى أن وقعت بحذاء
النبي صلى الله عليه وآله فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله شخص فيها ،
ثم قال : يا رسول الله إني وافد قومي وقد استجرنا بك فأجرنا وابعث معي من قبلك من
يشرف على قومنا ، فإن بعضهم قد بغوا علينا ، ليحكم بيننا وبينهم بحكم الله وكتابه
، وخذ علي العهود والمواثيق المؤكدة أني أرده إليك سالما في غداة إلا أن يحدث علي
حادثة من قبل الله ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : من أنت ومن قومك؟ قال
: أنا عرفطة بن سمراخ أحد بني كاخ من الجن المؤمنين ، أنا وجماعة من أهلي كنا
نسترق السمع ، فلما منعنا ذلك وبعثك الله نبيا آمنا بك وصدقنا قولك ، وقد خالفنا
بعض القوم وأقاموا على ما كانوا عليه ، فوقع بيننا وبينهم الخلاف ، وهم أكثر منا
عددا وقوة ، وقد غلبوا على الماء والمراعي وأضروا بنا وبدوابنا ، فابعث معي من
يحكم بيننا بالحق. فقال له النبي صلى الله عليه وآله اكشف لنا عن وجهك حتى نراك
على هيئتك التي أنت عليها ، فكشف لنا عن صورته فنظرنا إلى شخص عليه شعر كثير ،
وإذا رأسه طويل ، طويل العينين ، عيناه في طول رأسه ، صغير الحدقتين ، في فيه
أسنان كأسنان السباع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله أخذ عليه العهد والميثاق
على أن يرد عليه من غد من يبعث معه به.
فلما فرغ من ذلك
التفت إلى أبي بكر وقال : سر مع أخينا عرفطة وتشرف على قومه وتنظر إلى ما هم على
فاحكم بينهم بالحق ، فقال : يا رسول الله وأين هم؟ قال : هم تحت الارض ، فقال أبو
بكر : وكيف أطيق النزول في الارض؟ وكيف أحكم بينهم ولا أحسن كلامهم؟ فالتفت إلى
عمر بن الخطاب وقال له مثل قوله لابي بكر ، فأجاب بمثل جواب أبي بكر ، ثم استدعى
بعلي عليه السلام وقال له : يا علي سر مع أخينا عرفطة وتشرف على قومه وتنظر إلى
ما هم عليه وتحكم بينهم بالحق ، فقام علي عليه السلام مع عرفطة وقد تقلد سيفه ،
وتبعه أبوسعيد الخدري وسلمان الفارسي ، قالا : نحن أتبعناهما إلى أن صاروا إلى واد
، فلما توسطاه نظر إلينا علي عليه السلام فقال : قد شكر الله تعالى سعيكما
فارجعوا فقمنا ننظر إليهما ، فانشقت الارض ودخلا فيها وعادت إلى ما كانت ، ورجعنا
وقد تداخلنا من الحسرة والندامة ما الله أعلم به ، كل ذلك تأسفا على علي عليه السلام
وأصبح النبي صلى الله عليه وآله وصلى الناس الغداة ، ثم جاء وجلس على الصفا ،
وحف به أصحابه وتأخر علي عليه السلام وارتفع النهار وأكثر الناس الكلام إلى أن
زالت الشمس ، وقالوا : إن الجني احتال على النبي صلى الله عليه وآله وقد أراحنا
الله من أبي تراب ، وذهب عنا افتخاره بابن عمه علينا! وأكثروا الكلام إلى أن صلى
النبي صلى الله عليه وآله صلاة الاولى وعاد إلى مكانه وجلس على الصفا ، وما زال
أصحابه في الحديث إلى أن وجبت صلاة العصر ، وأكثر القوم الكلام وأظهروا اليأس من
أمير المؤمنين عليه السلام وصلى بنا النبي صلى الله عليه وآله صلاة العصر وجاء
وجلس على الصفا ، وأظهر الفكر في علي عليه السلام وظهرت شماتة المنافقين بعلي
عليه السلام وكادت الشمس تغرب ، وتيقن القوم أنه هلك إذا انشق الصفا وطلع علي
عليه السلام منه وسيفه يقطر دما ، ومعه عرفطة ، فقام النبي صلى الله عليه وآله
فقبل ما بين عينيه وجبينيه ، فقال له : ما الذي حبسك عني إلى هذا الوقت؟ فقال :
صرت إلى خلق كثير قد بغوا على عرفطة وقومه الموافقين ، ودعوتهم إلى ثلاث خصال
فأبوا علي ذلك : دعوتهم إلى الايمان بالله تعالى والاقرار بنبوتك ورسالتك فأبوا ،
فدعوتهم إلى الجزية فأبوا ، وسألتهم أن يصالحوا عرفطة وقومه فيكون بعض المرعى
لعرفطة وقومه وكذلك الماء فأبوا ، فوضعت سيفي فيهم وقتلت منهم رهطا ثمانين ألفا ،
فلما نظر القوم إلى ما حل بهم طلبوا الامان والصلح ثم آمنوا وصاروا إخوانا ، وزال
الخلاف وما زلت معهم إلى الساعة ، فقال عرفطة : يا رسول الله جزاك الله وعليا خيرا
، وانصرف.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 39 / صفحة [ 183 ]
تاريخ النشر : 2026-03-30