أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
فصل في غزوات
شتى : قوله تعالى : « ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم
الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين »
قال الضحاك : « وعلى المؤمنين » يعني عليا وثمانية من بني هاشم.
ابن قتيبة في
المعارف والثعلبي في الكشف : الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وآله يوم حنين
بعد هزيمة الناس : علي ، والعباس ، والفضل ابنه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
، ونوفل وربيعة أخواه ، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب : وعتبة ومعتب ابنا أبي
لهب ، وأيمن مولى النبي صلى الله عليه وآله ، وكان العباس عن يمينه والفضل عن
يساره ، وأبو سفيان ممسك بسرجه عند تفر بغلته ، وسائرهم حوله ، وعلي يضرب بالسيف
بين يديه ، وفيه يقول العباس :
نصرنا رسول الله
في الحرب تسعة
وقد فر من قد فر
عنه فأقشعوا
فكانت الانصار
خاصة تنصرف إذ كمن أبوجرول على المسلمين.
وكان على جمل
أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن ، إذا أدرك أحدا طعنه برمحه وإذا
فاته الناس دفع لمن وراءه ، وجعل يقتلهم وهو يرتجز :
أنا أبو جرول لا
براح
حتى نبيح القوم
أو نباح
فصمد له أمير
المؤمنين عليه السلام فضرب عجز بعيره فصرعه ، ثم ضربه فقطره ثم قال :
قد علم القوم
لدى الصباح
أني لدى الهيجاء
ذو نصاح
فانهزموا ، وعد
قتلى علي فكانوا أربعين ، وقال علي عليه السلام :
ألم تر أن الله
أبلى رسوله
بلاء عزيز ذا
اقتدار وذا فضل
بما أنزل الكفار
دار مذلة
فذاقوا هوانا من
إسار ومن قتل
فأمسى رسول الله
قد عز نصره
وكان رسول الله
أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من
الله منزل
مبينة آياته
لذوي العقل
فأنكر أقوام
قلوبهم
فزادهم الرحمن
خبلا إلى خبل
وفي غزاة الطائف
كان النبي صلى الله عليه وآله حاصرهم أياما ، وأنفذ عليا في خيل ، وأمره أن يطأ
ما وجد ، ويكسر كل صنم وجده ، فلقيه خيل خثعم وقت الصبوح في جموع ، فبرز فارسهم
وقال : هل من مبارز؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله : من له؟ فلم يقم أحد فقام
إليه علي عليه السلام وهو يقول :
إن على كل رئيس
حقا
أن يروي الصعدة
أو يدقا
ثم ضربه فقتله ،
ومضى حتى كسر الاصنام ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله كبر للفتح ، وأخذ
بيده وناجاه طويلا ، ثم خرج من الحصن نافع بن غيلان بن مغيث فلقيه علي عليه السلام
ببطن وج فقتله وانهزموا.
وفي يوم الفتح
برز أسد بن غويلم قاتل العرب ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : من خرج إلى هذا
المشرك فقتله فله على الله الجنة وله الامامة بعدي ، فاحر نجم الناس ، فبرز علي
عليه السلام وقال :
ضربته بالسيف
وسط الهامة
بضربة صارمة
هدامة
فبتكت من جسمه
عظامه
وبينت من رأسه
عظامة
وقتل عليه السلام
من بني النضير خلقا منهم غرور الرامي إلى خيمة النبي صلى الله عليه وآله فقال
حسان :
لله أي كريهة
أبليتها
ببني قريظة
والنفوس تطلع
أردى رئيسهم وآب
بتسعة
طورا يشلهم
وطورا يدفع
وأنفذ النبي صلى
الله عليه وآله عليا إلى بني قريظة وقال : سر على بركة الله ، فلما أشرفوا
ورأوا عليا عليه السلام قالوا : أقبل إليكم قاتل عمرو ، وقال آخر :
قتل علي عمروا
صار علي صقرا
قصم علي ظهرا
هتك علي سترا
فقال علي عليه السلام
: الحمد لله الذي أظهر الاسلام وقمع الشرك ، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن
معاذ ، فقتل علي عليه السلام منهم عشرة ، وقتل عليه السلام من بني المصطلق مالكا
وابنه.
تاريخ الطبري
ومحمد بن إسحاق : لما انهزمت هوازن كان رايتهم مع ذي الخمار ، فلما قتله علي عليه السلام
أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة ، فقاتل بها حتى قتل.
ومن حديث عمرو
بن معد يكرب أنه رأى أباه منهزما من خثعم على فرس له قال : انزل عنها فاليوم ظلم ،
فقال له : إليك يا مائق ، فقالوا : أعطه ، فركب ثم رمى خثعم بنفسه حتى خرج من بين
أظهرهم ، ثم كر عليهم ، وفعل ذلك مرارا فحمل عليه بنو زبيد ، فانهزمت خثعم ، فقيل
له فارس اليمن ، ومائق بنو زبيد.
الزمخشري في
ربيع الابرار : كان إذا رأى عمر بن الخطاب معد يكرب قال : الحمد لله الذي خلقنا
وخلق عمروا. وكان كثيرا ما يسأل عن غاراته فيقول : قد محا سيف علي الصنائع ، ومع
مبارزته جذبه أمير المؤمنين عليه السلام والمنديل في عنقه حتى أسلم ، وكان أكثر
فتوح العجم على يديه.
أقول : قال
الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول : مما يشهد بشجاعة أمير المؤمنين عليه السلام
وعظيم بلائه في الجهاد ونكايته في الاعداء من النظم الذي يشهد بصحته النثر في
النقل قول أسد بن أبي أياس بن رهم ابن محمد بن عبد بن عدي يحرض مشركي قريش على
أمير المؤمنين عليه السلام :
في كل مجمع غاية
أخزاكم
جزع أبر على
المذاكي القرح
لله دركم ألما
تنكروا
قد ينكر الحر
الكريم ويستحي
هذا ابن فاطمة
الذي أفناكم
ذبحا ويمشي
بيننا لم يذبح
أعطوه خرجا
واتقوا بضربته
فعل الدليل
وبيعة لم تربح
أين الكهول وأين
كل دعامة
في المعضلات
وأين زين الابطح؟
أفناهم قعصا
وضربا تعتري
بالسيف يعمل حده
لم يصفح
ومما يشهد لذلك
قول أخت عمرو بن عبد ود وقد رأته قتيلا فقالت : من قتله؟ فقيل لها : علي بن أبي
طالب عليه السلام ، فقالت : كفو كريم ، ثم أنشأت تقول :
لو كان قاتل
عمرو غير قاتله
لكنت أبكي عليه
آخر الابد
لكن قاتل عمرو
لا يعاب به
من كان يدعى
قديما بيضة البلد
أفلا نرى إلى
قريش كيف يحرض عليه بذكر من قتله وكثرتهم وفناء رؤسائهم بسيفه عليه السلام وقتله
لشجعانهم وأبطالهم؟ ثم لا يجسر أحد من القوم ينكر ذلك ، ولا ينفع في جماعتهم
التحريض لعجزهم عنه عليه السلام ، ولا ترى أنه عليه السلام قد بلغ من فضله في
الشجاعة أنها قد صارت يفخر بقتله من قتل منها ، وينفي العار عنه بإضافته إليه ،
وهذا لا يكون إلا وقد سلم الجميع له واصطلحوا على إظهار العجز عنه عليه السلام.
وقد روى أهل السير أن أمير المؤمنين عليه السلام لما قتل عمرو بن عبد ود نعي إلى
أخته ، فقالت : [ لو ] لم يعد يومه على يد كفو كريم لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه
، قتل الابطال وبارز الاقران وكانت منيته على يد كفو كريم ، ما سمعت بأفخر من هذا
يا بني عامر ، ثم أنشأت تقول :
أسدان في ضيق
المكر تصاولا
وكلاهما كفو
كريم باسل
فتخالسا مهج
النفوس كلاهما
وسط المدار
مخاتل ومقاتل
وكلاهما حضر
القراع حفيظة
لم يثنه عن ذاك
شغل شاغل
فاذهب علي فما
ظفرت بمثله
قول سديد ليس
فيه تحامل
فالثأر عندي يا
علي فليتني
أدركته والعقل
مني كامل
ذلت قريش بعد
مقتل فارس
فالذل مهلكها
وخزي شامل
ثم قالت : والله
لا ثارت قريش بأخي ما حنت النيب. وقد كان حسنان بن ثابت افتخر للإسلام بقتل عمرو
بن عبد ود ، فقال في ذلك أقوالا كثيرة ، منها :
أمسى الفتى عمرو
بن عبد يبتغي
بجنوب يثرب غارة
لم ينظر
فلقد وجدت
سيوفنا مشهورة
ولقد وجدت
جيادنا لم تقصر
ولقد رأيت غداة
بدر عصبة
ضربوك ضربا غير
ضرب المخسر
أصبحت لا تدعى
ليوم عظيمة
يا عمرو أو
لجسيم أمر منكر
فلما بلغ شعره
بني عامر قال فتى منهم يرد عليه قوله في ذلك :
كذبتم وبيت الله
لم تقتلوننا
ولكن بسيف
الهاشمين فافخروا
بسيف ابن عبد
الله أحمد في الوغى
بكف علي نلتم
ذاك فاقصروا
فلم تقتلوا عمرو
بن ود ولا ابنه
ولكنه الكفو
الهزبر الغضنفر
علي الذي في
الفخر طال ثناؤه
فلا تكثروا
الدعوى علينا فتحقروا
ببدر خرجتم
للبراز فردكم
شيوخ قريش جهرة
وتأخروا
فلما أتاهم حمزة
وعبيدة
وجاء علي
بالمهند يخطر
فجال علي جولة
هاشمية
فدمرهم لما عتوا
وتكبروا
فليس لكم فخر
علينا بغيرنا
وليس لكم فخر
يعد ويذكر
وقد جاء الاثر
من طرق شتى بأسانيد مختلفة عن زيد بن وهب قال : سمعت عليا عليه السلام يقول ـ وقد
ذكر حديث بدر فقال ـ : قتلنا من المشركين سبعين ، وأسرنا سبعين ، وكان الذي أسر
العباس رجل قصير من الانصار ، فأدركته فألقى العباس علي عمامته لئلا يأخذها
الانصاري ، وأحب أن أكون أنا الذي أسرته ، وجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
فقال الانصاري : يا رسول الله قد جئت بعمك العباس أسيرا فقال العباس : كذبت ما
أسرني إلا ابن أخي علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له الانصاري : يا هذا أنا
أسرتك ، فقال : والله يا رسول الله ما أسرني إلا ابن أخي ، ولكأني بجلحته في النقع
تبين لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : صدق عمي ذاك ملك كريم ، فقال
العباس : يا رسول الله لقد عرفته بجلحته وحسن وجهه ، فقال له : إن الملائكة الذين
أيدني الله بهم على صورة علي بن أبي طالب عليه السلام ليكون ذلك أهيب لهم في صدور
الاعداء ، قال : فهذه عمامتي على رأس علي عليه السلام فمره فليردها علي ، فقال :
ويحك إن يعلم الله فيك خيرا يعوضك أحسن العوض.
أفلا ترون أن
هذا الحديث يؤيد ما تقدم ويؤكد القول بأن أمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع
البرية ، وأنه بلغ من بأسه وخوف الاعداء منه عليه السلام أن جعل الله عزوجل
الملائكة على صورته ، ليكون ذلك أرعب لقلوبهم ، وأن هذا المعنى لم يحصل لبشر قبله
ولا بعده ، ويؤيد ما رويناه ما جاء من الاثر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام
في حديث بدر فقال : لقد كان يسأل الجريح من المشركين فيقال : من جرحك؟ فيقول : علي
بن أبي طالب. فإذا قالها : مات. وفي بلاء أمير المؤمنين عليه السلام يوم بدر يقول
أبو هاشم السيد بن محمد الحميري :
من كعلي الذي
يبارزه
الاقران إذ
بالسيوف يصطلم
إذا الوغى نارها
مسعرة
يحرق فرسانها
إذا اقتحموا
في يوم بدر وفي
مشاهده
العظمى ونار
الحرب تضطرم
بارز أبطالها
وسادتها
قعصا لهم
بالحسام قد علموا
دعوه كي تدركون
عزته
فما علوا ذلكم
ولا سلموا
جذ بسيف النبي
هامات
أقوام هم سادة
وهم قدم
سيدنا الماجد
الجليل أبو
السبطين رأس
الانام والعلم
إن عليا وإن
فاطمة
لا عرب مثلهم
ولا عجم
انتهى.
وقال عبد الحميد
بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر بن نمير
الانصاري قال : والله لكأني أسمع عليا عليه السلام يوم الهرير وذلك بعد ما طحنت
رحى مذحج فيما بينها وبين عك ولخم وحذام والاشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي ،
حتى استقلت الشمس وقام قائم الظهيرة وعلي عليه السلام يقول لأصحابه : حتى متى
نخلي بين هذين الحيين؟ قد فنينا وأنتم وقوف تنظرون ، أما تخافون مقت الله؟ ثم
انفتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله عزوجل ثم نادى « يا الله يا رحمن يا واحد يا
صمد يا الله يا إله محمد ، إليك اللهم نقلت الاقدام ، وأفضت القلوب ، ورفعت الايدي
، ومدت الاعناق ، و شخصت الابصار ، وطلبت الحوائج ، اللهم إنا نشكو إليك غيبة
نبينا ، وكثرة عدونا ، وتشتت أهوائنا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير
الفاتحين سيروا على بركة الله » ثم نادى : لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى
، قال : فلا والذي بعث محمدا نبيا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق السماوات والارض
أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب ، إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمس مائة من أعلام
العرب ، يخرج بسيفه منحنيا فيقول : معذرة إلى الله وإليكم من هذا ، لقد هممت أن
أفلقه ولكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : « لا سيف
إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي » وأنا أقاتل به دونه ، قال : فكنا نأخذه ونقومه ،
ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به عرض الصف ، فلا والله ما ليث بأشد نكاية منه في
عدوه.
وقال في موضع
آخر : روى أبو عبيدة أن عليا عليه السلام استنطق الخوارج بقتل عبد الله بن خباب
فأقروا به ، فقال : انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة، فتكتبوا كتائب وأقرت
كل كتيبة بمثل ما أقرت به الاخرى من قتل ابن خباب وقالوا : ولنقتلنك كما قتلناه ،
فقال عليه السلام : والله لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلهم
به لقتلتهم ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : شدوا عليهم فأنا أول من يشد عليهم ، وحمل
بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرات ، كل حملة يضرب به حتى يعوج متنه ، ثم يخرج
فيسويه بركبتيه ، ثم يحمل به حتى أفناهم.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 99 ]
تاريخ النشر : 2026-05-25