يُعد التلوث الكيميائي من أكثر أشكال التلوث تعقيداً، لأنه لا يعني مجرد وجود مادة غريبة في البيئة، وإنما يشمل دخول عناصر أو مركبات كيميائية إلى الهواء أو الماء أو التربة بتركيزات أو صور قد تسبب أضراراً للإنسان والكائنات الحية والأنظمة البيئية. وتزداد أهمية الكيمياء في فهم هذه المشكلة لأن الملوث لا يبقى دائماً على الصورة التي خرج بها من مصدره، فقد يذوب في الماء أو يرتبط بالتربة والرواسب أو يتبخر إلى الهواء أو يتعرض للأكسدة والاختزال والتحلل الضوئي أو الحيوي، وقد يتحول أحياناً إلى مركب جديد تختلف خصائصه عن المركب الأصلي.
التلوث الكيميائي قد ينتج عن النشاط الصناعي واحتراق الوقود والتعدين والزراعة وتسرب النفط والاستخدام غير السليم للمبيدات والأسمدة والمواد الكيميائية المختلفة. ومن أهم الملوثات التي تحظى باهتمام علمي كبير الرصاص والزئبق والكادميوم والزرنيخ والمذيبات العضوية والهيدروكربونات النفطية والمبيدات والعديد من المركبات الصناعية. وتختلف خطورة هذه المواد بحسب تركيبها الكيميائي وتركيزها وقابليتها للذوبان والتطاير والثبات وقدرتها على التراكم في الكائنات الحية.
ولا تعتمد خطورة الملوث على كميته فقط، بل تعتمد أيضاً على خصائصه الكيميائية وطريقة وجوده في البيئة. فقد يكون أحد المركبات قليل الذوبان في الماء ولكنه يرتبط بقوة بجزيئات التربة والرواسب، بينما يكون مركب آخر شديد الذوبان وقادراً على الانتقال لمسافات طويلة مع المياه الجوفية. كما أن بعض الملوثات العضوية يمكن أن تتحلل بواسطة الكائنات الدقيقة، في حين أن العناصر الثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم لا تتحلل بيولوجياً إلى عناصر أبسط، وإنما يمكن تغيير صورتها الكيميائية أو ترسيبها أو تثبيتها أو تقليل قابليتها للانتقال والامتصاص.
يُعد تلوث المياه من أخطر صور التلوث الكيميائي، لأن الماء يستطيع إذابة ونقل العديد من العناصر والمركبات. وقد تصل الملوثات إلى المياه من المصانع ومياه الصرف والزراعة والأنشطة النفطية والتعدين. ويتأثر سلوك المادة الكيميائية داخل الماء بدرجة الحموضة ودرجة الحرارة وكمية الأكسجين الذائب والملوحة وطبيعة الرواسب. فقد تبقى بعض المواد ذائبة في الماء، بينما ترتبط مواد أخرى بالجسيمات والرواسب، وقد تنتقل بعض المركبات بين الماء والرواسب أو تدخل إلى أجسام الكائنات الحية.
وتُعد المعادن الثقيلة من الملوثات المهمة بسبب قدرتها على الاستمرار في البيئة. فالذرة المعدنية لا تختفي نتيجة التحلل الحيوي، ولكن يمكن تغيير حالتها الكيميائية أو ترسيبها أو ارتباطها بمواد أخرى. ومن الطرق المستخدمة في معالجة المياه الملوثة بالمعادن الثقيلة الترسيب الكيميائي، حيث تُضاف مواد تؤدي إلى تحويل الأيونات المعدنية الذائبة إلى مركبات قليلة الذوبان يمكن فصلها عن الماء. كما يمكن استخدام الامتزاز والتبادل الأيوني والأغشية وبعض التقنيات الكهروكيميائية بحسب نوع المعدن وتركيزه وطبيعة المياه.
لعب درجة الحموضة pH دوراً مهماً جداً في معالجة المعادن، لأن ذوبانية العديد من المركبات المعدنية تتغير مع تغير الحموضة. فقد يؤدي تغيير قيمة pH إلى تحويل المعدن من صورة ذائبة ومتحركة إلى صورة أقل ذوباناً يمكن فصلها بسهولة أكبر، ولهذا تعتبر السيطرة على الحموضة من الأدوات الأساسية في بعض عمليات معالجة المياه الملوثة.
ومن الطرق المهمة لمعالجة الملوثات استخدام الكربون المنشط، الذي يتميز بمساحة سطحية كبيرة وبنية مسامية تسمح بارتباط العديد من الجزيئات الملوثة بسطحه من خلال عملية تسمى الامتزاز. ويستخدم الكربون المنشط في معالجة بعض الملوثات العضوية الموجودة في المياه والمياه الجوفية والهواء. ومع ذلك، فإن الامتزاز لا يعني بالضرورة تدمير الملوث، بل قد يعني نقله من الماء إلى سطح الكربون، ولذلك يجب التعامل مع الكربون المحمل بالملوثات بطريقة مناسبة.
هناك أيضاً عمليات الأكسدة الكيميائية المتقدمة، وهي تقنيات تهدف إلى تفكيك عدد من المركبات العضوية الصعبة التحلل من خلال توليد أنواع كيميائية شديدة التفاعل، مثل الجذور الهيدروكسيلية في بعض الأنظمة. تستطيع هذه الأنواع مهاجمة الجزيئات العضوية وتغيير تركيبها الكيميائي، وقد تؤدي في الظروف المناسبة إلى تحويلها إلى مركبات أبسط. وتستخدم بعض هذه التقنيات الأوزون أو بيروكسيد الهيدروجين أو الأشعة فوق البنفسجية أو المحفزات، ويعتمد اختيار التقنية على طبيعة الملوث وظروف الوسط.
كما يمكن استخدام الاختزال الكيميائي في معالجة بعض الملوثات، حيث تؤدي عملية اكتساب الإلكترونات إلى تغيير الصورة الكيميائية للمادة. وفي بعض التطبيقات يمكن أن يساعد ذلك على تقليل حركة الملوث أو سميته أو تحويله إلى صورة يمكن فصلها بسهولة أكبر. وتُستخدم بعض تقنيات الاختزال الكيميائي داخل المواقع الملوثة لمعالجة التربة والمياه الجوفية بحسب نوع الملوث والظروف الجيوكيميائية للموقع.
ولا تعتمد معالجة التلوث دائماً على المواد الكيميائية، إذ يمكن الاستفادة من الكائنات الدقيقة في عملية تعرف باسم المعالجة الحيوية. تمتلك بعض البكتيريا والفطريات والكائنات الدقيقة القدرة على تحليل مركبات عضوية معينة أو تحويلها خلال عملياتها الأيضية. ويمكن استخدام هذه التقنية في معالجة بعض أنواع تلوث التربة والمياه الجوفية والمواد العضوية، إلا أن نجاحها يعتمد على نوع الملوث ودرجة الحرارة ودرجة الحموضة وتوفر الأكسجين والمواد الغذائية والظروف المناسبة لنشاط الكائنات الدقيقة.
ومن التقنيات الطبيعية المثيرة للاهتمام استخدام النباتات في معالجة بعض البيئات الملوثة، وهي العملية المعروفة باسم المعالجة النباتية Phytoremediation. تستطيع بعض النباتات امتصاص أو تثبيت بعض العناصر والملوثات من التربة أو المياه، ويمكن الاستفادة منها في ظروف معينة لتقليل انتشار الملوث. لكن النباتات التي تراكم فيها الملوثات تحتاج إلى إدارة آمنة حتى لا تتحول إلى مصدر جديد للتلوث.
أما الملوثات العضوية الموجودة في التربة، فقد تستخدم معها المعالجة الحرارية، حيث يتم رفع درجة الحرارة بطريقة مدروسة بهدف تطاير بعض المركبات أو تفكيكها. ومن التقنيات المستخدمة في هذا المجال نزع الامتزاز الحراري وبعض أنواع المعالجة الحرارية داخل الموقع أو خارجه. وتكون هذه الطرق مفيدة لبعض الملوثات العضوية والهيدروكربونات، لكنها تحتاج إلى استهلاك للطاقة والسيطرة على الغازات والنواتج الناتجة عن العملية.
وفي بعض الحالات لا يكون الهدف إزالة الملوث بالكامل، وإنما تقليل قدرته على الحركة والوصول إلى الكائنات الحية. وتعرف هذه العملية بالتثبيت أو التصلب، حيث يمكن استخدام مواد معينة لتقليل ذوبان الملوث أو انتقاله إلى الماء. وهذه الطريقة مهمة خصوصاً في بعض حالات تلوث التربة بالمعادن الثقيلة، لكنها تختلف عن الإزالة الحقيقية للملوث؛ فالعنصر قد يبقى موجوداً، لكنه يصبح أقل حركة وتوافراً حيوياً.
وتعتبر معالجة المياه الجوفية من أكثر عمليات التنظيف البيئي تعقيداً، لأن الملوثات قد تنتشر داخل مسامات التربة والشقوق الموجودة في الصخور. ومن الطرق المعروفة ضخ المياه الجوفية الملوثة إلى السطح ثم تمريرها عبر وحدات معالجة لإزالة الملوثات، كما توجد تقنيات تعمل داخل الموقع نفسه مثل المعالجة الحيوية والأكسدة والاختزال الكيميائي والحواجز التفاعلية النفوذة.
وتُعد الحواجز التفاعلية النفوذة من التقنيات المهمة في معالجة بعض المياه الجوفية، حيث توضع مادة تفاعلية في مسار المياه الملوثة، وعندما تمر المياه عبرها تحدث تفاعلات كيميائية تؤدي إلى إزالة الملوث أو تحويله إلى صورة أقل خطورة. ويمكن أن تعتمد هذه الحواجز على الامتزاز أو الاختزال أو الترسيب أو غيرها من الآليات بحسب نوع الملوث والمادة المستخدمة.
ومن المهم جداً إدراك أنه لا توجد طريقة واحدة تصلح لمعالجة جميع الملوثات، لأن كل مادة كيميائية تمتلك تركيباً وخصائص مختلفة. فالمركبات العضوية المتطايرة قد تحتاج إلى تقنيات تعتمد على التطاير أو الاستخلاص، بينما تحتاج المعادن الثقيلة إلى تقنيات مثل الترسيب أو الامتزاز أو التبادل الأيوني. أما المركبات العضوية المقاومة للتحلل فقد تكون أكثر ملاءمة لعمليات الأكسدة المتقدمة أو المعالجة الحيوية المناسبة.
وهنا يأتي دور الكيمياء التحليلية، إذ لا يمكن معرفة نجاح عملية المعالجة بمجرد النظر إلى الماء أو التربة. فقد تبدو المياه صافية تماماً بينما تحتوي على تراكيز منخفضة من مواد كيميائية خطرة. لذلك تستخدم المختبرات تقنيات متقدمة للكشف عن العناصر والمركبات وقياس تراكيزها قبل المعالجة وأثناءها وبعدها. وتساعد هذه التحاليل على معرفة ما إذا كان الملوث قد أزيل فعلاً أو تحول إلى مركب آخر، وما إذا كانت نواتج المعالجة آمنة.
ومن أهم المفاهيم في معالجة التلوث ما يسمى ميزان الكتلة الكيميائي، أي معرفة مصير الملوث بعد المعالجة. فإذا استخدمنا مادة ما لإزالة ملوث من الماء، يجب أن نعرف أين ذهب هذا الملوث. هل تم تدميره فعلاً؟ أم انتقل إلى مادة صلبة؟ أم تحول إلى غاز؟ أم تغير إلى مركب آخر؟ وهذا السؤال مهم جداً لأن نقل الملوث من وسط إلى آخر لا يعني بالضرورة حل المشكلة.
وفي بعض عمليات الأكسدة الكيميائية يجب أيضاً دراسة نواتج التحلل، لأن المركب الأصلي قد يتحول إلى مركبات جديدة تختلف في خصائصها. ولهذا فإن نجاح المعالجة لا يقاس فقط بانخفاض تركيز الملوث الأصلي، وإنما يجب التأكد من عدم ظهور نواتج ثانوية أكثر خطورة.
وفي النهاية، فإن أفضل طريقة للتعامل مع التلوث الكيميائي هي الوقاية قبل المعالجة. فبدلاً من إنتاج المواد الخطرة ثم محاولة التخلص منها بعد وصولها إلى البيئة، تسعى الكيمياء الخضراء إلى تصميم عمليات ومواد كيميائية أكثر أماناً، وتقليل النفايات، وتقليل استخدام المواد الخطرة، ورفع كفاءة التفاعلات وتقليل استهلاك الطاقة.
إن التلوث الكيميائي ليس مجرد وجود مادة سامة في البيئة، بل هو منظومة معقدة من التفاعلات والانتقالات والتحولات. فقد ينتقل الملوث من الهواء إلى الماء، ومن الماء إلى التربة، ومن التربة إلى النباتات والكائنات الحية، وقد يتغير تركيبه الكيميائي أثناء هذه الرحلة.
ولهذا فإن معالجة التلوث تبدأ من معرفة ما المادة الموجودة؟ وما تركيبها الكيميائي؟ وكيف تتحرك في البيئة؟ وما التفاعلات التي يمكن أن تدخل فيها؟ وبعد ذلك يتم اختيار الطريقة المناسبة لإزالتها أو تدميرها أو تثبيتها.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
أبناؤنا بينَ الواقعِ والمواقع
واقعة الغدير.. دلالات وتأملات (1)
من الذاكرة الرمضانية الكربلائية.. الجزء الاول
EN