كرنفال الحزن بين السماء والأرضِ (30)
بقلم: أحمد السراي
حين بكت الجدران قبل العيون...
قبلَ أن تُطوى صفحاتُ هذا الكرنفالِ بينَ الأرضِ والسماءِ، تقفُ المدينةُ على أعتابِ وجعٍ لم تعرف له مثيلاً، تستقبلُ أبناءها العائدينَ، لا على صهواتِ الظفرِ، بل على أجنحةِ الفاجعةِ...
عادوا يحملونَ كربلاء في العيونِ، والطفَّ في القلوبِ، ورسالةَ الشهادةِ في الضمائرِ، عادوا وقد تغيّرَتِ الملامحُ من هولِ المصابِ، لكنهم لم يتغيروا عن عهدهم مع الله (تعالى)، ولم تنحن هاماتهم إلّا لعظمِ البلاءِ، ولم تكن عودةُ السبايا نهايةَ الطريقِ، بل كانَتْ بدايةَ الخلودِ، فمن تلك الخطواتِ المثقلةِ بالحزنِ، انطلقَتْ رسالةُ الحسين (عليه السلام) لتجوبَ الآفاقَ، ولتبقى زينب الكبرى (عليها السلام) صوتاً لا يخفتُ، والإمام السجاد (عليه السلام) شاهداً لا يصمتُ، حتى غدت كربلاء نبضَ الضمائرِ، ومنارةَ الأحرارِ في كلِّ زمانٍ، فليسَ كلُّ رجوعٍ لقاءً، ولا كلُّ وصولٍ نهايةَ سفرٍ، فثمةَ عودةٌ تكونُ أشدَّ مرارةً من الفراقِ، وأوجعَ من لحظةِ الوداعِ الأولى، وعودةُ سبايا آل محمد (صلى الله عليه وآله) إلى المدينةِ كانَتْ من ذلك الضربِ الذي تعجزُ اللغةُ عن احتوائِهِ، وتقفُ البلاغةُ عندَ بابِهِ خاشعةً، لأنَّ المصيبةَ إذا بلغَتْ ذروتها، ضاقَتْ عنها الحروفُ، وأصبحَ الصمتُ أبلغَ من البيانِ...
خرجوا من المدينةِ تحفُّ بهم دعواتُ المحبينَ، وتظلِّلهم هيبةُ النبوةِ، ويقودهم حسينٌ هو بقيةُ قلبِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما عادَ الركبُ، لم يعد الحسينُ، ولم يعد العباسُ، ولم يعد علي الأكبر، ولم يعد القاسم، ولم تعد تلك الوجوه التي كانت إذا أشرقت أضاءَتْ بها المدينةُ...
عادَ الركبُ... ولكنَّهُ عادَ يحملُ رؤوساً غابَتْ، وقلوباً انكسرَتْ، وأرواحاً أثقلتها الفواجعُ، حتى كأنَّ كربلاء لم تكن أرضاً في العراق، بل كانَتْ قدراً سارَ معهم حتى وقفَ على أبوابِ المدينةِ، كانت العقيلة زينب (عليها السلام) تتقدّمُ الركبَ، غيرَ أنَّ المدينةَ لم تعرف زينب التي ودعتها قبلَ أشهر، أين تلك الهاشميةُ التي كانت تمشي مشيةَ أبيها علي بن أبي طالب، ويشرقُ من وجهها نورُ أمها فاطمة الزهراء؟ أينَ تلك السيدةُ التي كانَتْ إذا تكلّمتْ خُيلَ للسامعِ أنَّ علياً ينطقُ من بين شفتيها؟
لقد أكلَ الحزنُ من ملامحها كما تأكلُ النارُ أطرافَ الغصنِ الندي، ومرَّتْ عليها مصائبُ الدهرِ في أيامٍ معدوداتٍ، فغدا وجهها الشريفُ كتاباً مفتوحاً، كتبَتْ سطورَهُ بالدموعِ، وخطَّتْ كلماتِهِ بالآلامِ، حتى قيل إن السيدة أم البنين (عليها السلام) لم تعرفها لأولِ وهلةٍ، وأنَّ محمد بن الحنفية وقفَ ينظرُ إليها طويلاً، يبحثُ بين تجاعيدِ الحزنِ عن أختِهِ زينب، فلا يكادُ يجدُ إلّا صورةً صنعتها كربلاء، ونحتتها الرزايا، وصقلها الصبرُ، وما أعظمها من مصيبةٍ، حين يعجزُ الأخ عن معرفةِ أخته، وتعجزُ القريبةُ عن تمييزِ قريبتها…
إنَّ الفواجعَ العظيمةَ لا تكتفي بسلبِ الأحبّةِ، بل تمتدُّ إلى الوجوهِ، فتطفئ نضارتها، وإلى القلوبِ، فتتركُ فيها جراحاً لا يبرئها الزمانُ، فحين أقبلَتْ أم البنين (عليها السلام)، تلك المرأة التي قدمت فلذات كبدها الأربعة قرباناً بين يدي الحسين (عليه السلام)، لم يكن أول سؤالها عن العباس وإخوته، بل ارتفعَ صوتها مفعماً بالولاءِ: "أخبروني عن الحسين"، لأنها كانَتْ تعلمُ أنَّ كلَّ مصيبةٍ بعد الحسين صغيرةٌ، وأنَّ الرزيةَ فيه هي الرزيةُ التي تهونُ عندها مصائبُ الدُّنيا جميعاً، فلما بلغها نبأ استشهادِهِ، انهدَّ في قلبها جبلٌ من الصبرِ، وسقطَتْ دموعها لا على ولدٍ واحدٍ، بل على إمامٍ به قامَتِ الحجةُ، وحُفظَ الدينُ، واستقامَ طريقُ الحقِّ، وفي تلك اللحظةِ، لم تكن أم البنين تبكي الحسين وحدَهُ، بل كانَتِ المدينةُ كلها تبكيه، وكانَتْ جدرانها، وأزقتها، ونخيلها، وهواؤها، تردّدُ أنيناً واحداً: واحسيناه...
ومنذُ ذلك اليوم، لم تعد المدينةُ مدينةً كما كانَتْ، فقد خرجَ منها الحسين جسداً، وعاد إليها رسالةً خالدةً، ودخلتها زينب امرأةً، وخرجت منها مدرسةً للصبرِ والبلاغةِ، والجهادِ، وأصبحَتْ قافلةُ السبايا جسراً عبرَتْ عليه عاشوراء عبرَ الزمنِ، فلم تعُدْ كربلاء حادثةً تروى، بل عقيدةٌ تحيا، وضميرٌ لا يموتُ، وصوتٌ يعلو كلما حاولَ الباطلُ أن يخفضَ رايةَ الحقِّ.
وهكذا تنتهي صفحاتُ -كرنفال الحزن بين السماء والأرض-، لكنَّها لا تسدلُ الستارَ على الحكايةِ، فثمةَ مواقفُ لا يطويها الزمنُ، وثمةَ دموعٌ بقيَتْ شاهدةً على أنَّ بينَ الأرضِ والسماءِ عهداً لا ينقضي...
لقد كانت كربلاء مدرسةً خالدةً، وكانَ أهل البيت (عليهم السلام) صفحاتها الناطقةَ بالصبرِ والإيمانِ والكرامةِ، يحملونَ في كل موقفٍ رسالةً، وفي كلِّ دمعةٍ درساً، وفي كلِّ مصيبةٍ نوراً يهدي القلوبَ إلى طريقِ الحقِّ، وما بينَ أرضٍ ارتوَتْ بدماءِ الشهداءِ، وسماءٍ احتضنَتْ أرواحهم الطاهرةَ، ظلَّ ذلك الكرنفالُ الإلهي يكتبُ للأجيالِ معنى التضحيةِ، ويغرسُ في النفوسِ أنَّ الحقَّ وإن أثقلَتْهُ الجراحُ، فإنَّهُ لا ينكسرُ، وأنَّ الرسالةَ التي رويت بالدمِ لا تموتُ.
نسألُ الله (تعالى) أن يجعلَنا ممّن يخدمونَ قضيةَ الإمام الحسين (عليه السلام) بصدقٍ وإخلاصٍ، وأن يرزقنا معرفةَ أهلِ البيت (عليهم السلام)، والثبات على نهجهم، وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وأن يحشرنا في زمرتهم يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلّا من أتى الله تعالى بقلبٍ سليمٍ.
وسلامٌ على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولادِ الحسين، وعلى أصحابِ الحسين، وسلامٌ على العقيلة زينب صوت كربلاء الخالدة، ما بقي الليلُ والنهارُ.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
لغتنا المحتضرة
تسييس الدراما
في باب عتبة ضريح الإمام
EN