كرنفال الحزن بين السماء والأرضِ (26)
بقلم: أحمد السراي
كمنارةٍ سامقةٍ...
لم تكن مولاتنا زينب (عليها السلام) يومئذٍ امرأةً تبكي فحسب، بل كانَتْ كربلاء كلها تبكي من خلالها، كانَتِ الفاجعةُ قد بلغَتْ من القلوبِ مبلغاً لو انصدعَ له الصخرُ لتهاوى، ولو سمعَتْهُ الجبالُ لذابَتْ من رهبةِ ما جرى...
خرجَتْ من خدرها، لا يحملها سوى وجعٌ أثقل من الأرضِ، ولا يرافقها سوى أنينٌ تكسَّرَ بينَ الضلوعِ حتى صارَ لغةً لا يفهمها إلا المكلومونَ… فكانَتْ تمشي وبينَ خطواتها رمادُ الخيامِ، وبينَ أهدابها صورُ الأحبةِ المضرجينَ بدمائهم، وفي صدرها لهيبُ قلبٍ أُضرمَتْ فيه مصائبُ الدُّنيا دفعةً واحدةً...
كلُّ شيءٍ حولها كانَ ينوحُ... الريحُ، والرمالُ، وأعوادُ الرماحِ، وحتى الأفقُ البعيدِ بدا كأنَّهُ يكتسي سوادَ الحدادِ، رفعَتْ بصرها نحوَ السماءِ، ثم أرسلَتْ نداءها إلى أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا نداءَ صوتٍ إلى غائبٍ، بل نداءُ روحٍ إلى روحٍ، كأنَّها كانَتْ تبحثُ في أرجاءِ الكونِ عن كتفٍ تتكئ عليه بعدما تكاثرَتْ عليها النكباتُ، وعن ظلٍّ يحمي بقيةَ النورِ بعدما امتدَّتْ إليه أيدي الظلامِ.
يا أبتاه...
أيُّ ريحٍ عاتيةٍ مرَّتْ على آل محمد حتى اقتلعَتْ أغصانهم الطاهرةَ من بستانِ الحياةِ؟
وأيُّ زمانٍ هذا الذي صارَ فيه الحسينُ وحيداً على الثرى، بلا ناصرٍ ولا معينٍ؟
وأيُّ قسوةٍ استطاعَتْ أن تجعلَ بناتِ الوحي نهباً للسبي بعدَ أن كنَّ موضعَ الإجلالِ والإكرامِ؟
كانَتِ الكلماتُ تتساقطُ من شفتيها كما تتساقطُ أوراقُ الخريفِ من شجرةٍ أرهقها الجفافُ، بينما كانَتْ دموعها تنحدرُ مدراراً، لا كدموعِ النساءِ، بل كأنهارٍ تفجّرَتْ من عينِ مصيبةٍ لا قرارَ لها، وما كانَ بكاؤها ضعفاً، بل كانَ بكاءَ الرسالةِ على أهلِ الرسالةِ، وبكاءَ الطهرِ على زمنٍ تجرّأ على الطهرِ...
ثم التفتَتْ بقلبها نحو القبورِ البعيدةِ، نحو هاشم وأجدادِهِ العظامِ، كأنَّها تستصرخُ النسبَ كلّهُ.
لم تكن تريدُ للموتى أن ينهضوا من مراقدهم، بل كانت تريدُ للضمائرِ أن تستيقظَ من سباتها، كانت تصرخُ في وجهِ الإنسانيةِ التي وقفَتْ تتفرّجُ على أعظم مأساةٍ عرفتها الأمةُ، على رمضاء كربلاء، كانَ الحسين مسجى بلا غسلٍ ولا كفنٍ، تحت شمسٍ تلتهبُ خجلاً ممّا جرى، بينما كانت الخيلُ تعبرُ فوقَ الأجسادِ الطاهرةِ، وكأنَّ الأرضَ نفسها ترتجفُ تحتَ سنابكها ألماً وحسرةً...
يا للهول! أيُّ قلبٍ يستطيعُ احتمالَ هذا المشهدِ دونَ أن يتحوّلَ إلى جرحٍ مفتوحٍ لا يندملُ؟
لكن زينب، رغم ذلك، كانت تشبهُ النخلةَ التي تضربها العواصفُ فلا تنحني، كانت تحملُ بين أضلاعها قلباً مثخناً بالمواجعِ، غير أنَّ روحها بقيَتْ سامقةً كمنارةٍ لا تطفئها الرياحُ، فكلما اشتدَّ ظلامُ المصيبةِ، ازدادَ نورها تألقاً، وكلما حاولَ الطغيانُ أن يدفنَ الحقيقةَ تحتَ ركامِ الدماءِ، نهضَ صوتها ليعلنَ أنَّ الدمَ انتصرَ على السيفِ، وأنَّ المأساةَ تحوّلَتْ إلى خلودٍ.
ومنذُ ذلك اليومِ، ما زالَ الكونُ يسمعُ ذلك النداءَ الخارجَ من أعماقِ الفجيعةِ، ما زالت زينب واقفةً على حدودِ الوجعِ، تنادي أباها، وتنادي الزمنَ، وتنادي الضمائرَ الحيةَ، وما زالت كلماتها تتردّدُ في فضاءِ الحزنِ الأبدي كجرسٍ من الأسى لا يخبو صداه.
من يحمي اليتامى بعدَ الحسين؟
ومن يجمعُ شتاتَ القلوبِ بعدَ هذا الانكسارِ العظيمِ؟
فلا يجيبها إلا صمتُ كربلاء...
ذلك الصمتُ الذي امتلأ بضجيجِ الخلودِ.







وائل الوائلي
منذ 21 ساعة
الفقرُ الثّقافيّ
مقبرة الأعياد
منهجية الإصلاح وتقويم الأمم
EN