لم تعد الكلمة في زماننا عابرةً تنتهي بانتهاء المجلس ولا سطراً مكتوباً يستقر في صحيفة ثم يطويه النسيان فقد تبدلت الأزمنة وتبدلت معها أدوات التعبير فأصبح الهاتف منبراً والحساب الشخصي نافذةً مفتوحة على المجتمع وأصبحت إعادة النشر موقفاً ومسؤولية وصار بوسع كلمة واحدة أن تعبر المدن والحدود في دقائق وأن تبلغ من الناس ما لم تكن تبلغه الخطب والمجالس في أزمان مضت .
وهنا تتقدم أخلاق الكلمة لتكون ميزاناً للعمل الإعلامي والتواصل الاجتماعي لأن اتساع المنصة لا يعني اتساع الحق في القول بلا ضابط كما أن حرية التعبير لا تعني التحرر من المسؤولية فالإنسان في المنظور الإسلامي مؤتمن على ما يقول مسؤول عما ينقل وما يتركه كلامه من أثر في المجتمع قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وفي عصر السرعة تبدو هذه الحقيقة أكثر حضوراً إذ لم تعد الكلمة مجرد صوت بل أصبحت مادةً قابلة للحفظ والنسخ وإعادة التداول وقد يكتب المرء منشوراً في لحظة غضب ثم يمضي عنه بينما يبقى أثره في ذاكرة الناس أو ينتقل من شاشة إلى أخرى وربما يصعب بعد ذلك استدراك ما أحدثه من ضرر .
هنا جاءت القاعدة القرآنية في التعامل مع الأخبار: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فالتثبت ليس ترفاً إعلامياً بل فريضة أخلاقية تحفظ المجتمع من الظلم كم من صورة صحيحة أُخرجت من سياقها وكم من مقطع حقيقي أُعيد نشره على أنه حدث جديد وكم من عبارة ثابتة أُخرجت من سياقها فأصبحت تؤدي معنى لم يقصده قائلها .
إن السرعة في النشر ليست فضيلة إذا سبقت الحقيقة وكثرة المشاهدات ليست معياراً للصدق وانتشار الخبر لا يمنحه بالضرورة صفة الموثوقية ولذلك فإن الإعلام الذي نحتاجه اليوم هو إعلام يقدم الحقيقة على الإثارة والوعي على الانفعال والمصلحة العامة على السبق .
هنا يؤكد القرآن الكريم قاعدة أخرى لا تقل أهمية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فلا ينبغي للإنسان أن يجعل من الظن يقيناً ولا من السماع شهادة ولا من الانطباع حكماً وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع " وهنا تظهر مسؤولية المنابر الإعلامية والثقافية والدينية في بناء وعيٍ يحفظ المجتمع من الفوضى المعلوماتية ويجعل من الإعلام وسيلةً لخدمة الإنسان وترسيخ القيم وتعزيز الوحدة الاجتماعية وتصحيح المفاهيم والدفاع عن الحقيقة بالحكمة والموعظة الحسنة .
إن النهج الذي حملته المرجعية الدينية والعتبات المقدسة في خدمة المجتمع يقوم في جوهره على احترام الإنسان وصيانة كرامته والدعوة إلى الخير ونبذ الظلم وإعلاء شأن المعرفة والوعي ومن ثم فإن المنصة الإعلامية حين تستلهم هذه القيم لا تكون مجرد أداة لنقل الأخبار وإنما تصبح منبراً لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع .
وليس كل ما هو صحيح صالحاً للنشر بالضرورة فقد تكون المعلومة صحيحة لكن نشرها بطريقة جارحة قد يتحول إلى انتهاك لخصوصية الانسان أو إساءة إلى سمعته وهنا ينبغي أن نفرق بين النقد والتشهير فالنقد المسؤول يضع الخطأ أمام الرأي العام بقصد الإصلاح ويستند إلى الدليل ويبتعد عن الطعن في النيات والتعميم بينما يحول التشهير الخلاف إلى خصومة والظن إلى اتهام والاتهام إلى إدانة .
وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة الاستهانة بأثر الكلام فقال تعالى : ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ وما أكثر ما نعده اليوم هيناً: تعليقاً عابراً أو صورة أو خبراً نعيد إرساله فيما قد يكون وراءه إنسان وسمعة وأسرة ومجتمع .
إننا بحاجة إلى فقهٍ للكلمة يعلمنا أن نسأل قبل النشر هل ما أكتبه حق؟ هل أملك دليله؟ وهل في نشره إصلاح أم أذى؟ فليست الحكمة أن نكون أول من ينشر وإنما أن نكون ممن لا ينشر إلا ما يستطيع الدفاع عنه أمام الله والناس.
فالكلمة أمانة والمنصة أمانة والمعلومة أمانة وإذا أحسن الإنسان حمل أمانته أصبحت كلمته جسراً إلى الإصلاح ونافذةً للوعي وصوتاً للحق أما إذا استهان بها فقد تتحول الكلمة التي كتبها في لحظة إلى أثرٍ طويل في حياة الآخرين .
وفي زمنٍ أصبحت فيه المنصات مفتوحة للجميع تبقى الأخلاق هي الحارس الأخير للكلمة فليس كل ما نعرفه يُقال وليس كل ما يُقال يُنشر وليس كل ما يُنشر يمكن محو أثره .







وائل الوائلي
منذ 1 ساعة
شخصية تسير مع الزمن !
عناوين أم عنوانات؟
إرهاب الميديا
EN