0

بمختلف الألوان
قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (ان للجنة بابا يدعى الريان لا يدخل منه الا الصائمون). شهر رمضان المبارك هو الشهر... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
المعروف سلسلة من الخير وأجرٌ لا ينقطع

منذ 40 دقيقة
في 2026/09/22م
عدد المشاهدات :11

حسن الهاشمي
ليس المعروف فعلاً عابرًا ينتهي عند لحظة تقديمه، ولا إحسانًا ينحصر أجره في يد صاحبه، بل هو بذرة خيرٍ إذا وقعت في أرض القلوب أثمرت، وانتقلت من إنسان إلى آخر، حتى يصبح المعروف سلسلةً من الرحمة تتسع حلقاتها، ويشترك في ثوابها كلُّ من أسهم في إيصالها.
وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (لو جرى ثواب المعروف على ثمانين كفا لأوجروا كلهم، من غير أن ينقص من صاحبه من أجره شيئا) ثواب الأعمال للصدوق: ١٧٠ / ١٤. إنّ هذا المعنى يفتح أمام الإنسان أفقًا واسعًا لفهم قيمة العمل الصالح؛ فالمعطي هو الذي بدأ المعروف، لكنّ الله تعالى لا يحصر الثواب في البداية وحدها، بل يكرم كلَّ يدٍ امتدت لتوصل الخير، وكلَّ قلبٍ أسهم في تفريج كربة، وكلَّ إنسانٍ كان واسطةً في إيصال النفع إلى مستحقه.
فقد يكون المال من رجل، والتوصية من آخر، والسعي من ثالث، والتوصيل من رابع، والدلالة على المحتاج من خامس، ثم يصل المعروف إلى صاحبه بعد أن مرّ بعشرات الأيدي؛ وكلُّ هؤلاء يمكن أن يكونوا شركاء في الأجر، من غير أن ينقص ذلك من ثواب صاحب المال شيئًا، وهنا تتجلى عظمة المنظومة الأخلاقية في الإسلام؛ إذ لا ينظر إلى الخير بوصفه ملكيةً فردية، بل بوصفه مسؤوليةً اجتماعيةً تتعاون عليها القلوب والأيدي.
ولعل أجمل ما في هذا المعنى أنّ الإنسان قد لا يملك المال، لكنه يستطيع أن يكون جزءًا من المعروف؛ فيدلّ غنيًّا على فقير، أو يعرّف محسنًا بمحتاج، أو يشفع في قضاء حاجة، أو يحمل صدقةً إلى أهلها، أو يفتح بابًا للخير أمام الآخرين، وهكذا لا يبقى الإحسان حكرًا على أصحاب الأموال، بل يصبح ميدانًا مفتوحًا لكل إنسان.
إنّ المجتمع الذي تتكاثر فيه أيدي المعروف هو مجتمع تتراجع فيه الأنانية، وتتعاظم فيه روح التكافل؛ لأنّ كلَّ واحد يعلم أنّ بإمكانه أن يكون حلقةً في سلسلة الخير، وأنّ مساهمته، وإن كانت صغيرة، قد تكون سببًا في وصول رحمةٍ إلى إنسانٍ محتاج.
ومن هنا ينبغي أن نعلّم أبناءنا وشبابنا أنّ صناعة المعروف لا تتوقف على امتلاك المال؛ فقد تكون كلمةٌ طيبة، أو موقفٌ مشرف، أو شفاعةٌ حسنة، أو دلالةٌ على الخير، أو خدمةٌ لإنسان، سببًا في فتح أبواب واسعة من الأجر.
فإذا جرى المعروف على ثمانين كفًّا، لم يكن في تلك الأيدي تنافسٌ على ملكية الخير، بل تعاونٌ على إيصاله؛ وكلُّ كفٍّ منها تقول للأخرى: خذ هذا الخير وأوصله، فإنّ خزائن الله أوسع من أن تنقص بالعطاء، وان الله تعالى لا تزيده كثرة العطاء الا جودا وكرما.
وهكذا يصبح المعروف سلسلةً لا تنقطع: يبدأ من محسن، ويمرّ بوسائط الخير، وينتهي إلى محتاج، ثم قد يبدأ من المحتاج نفسه معروفٌ جديد تجاه غيره، وبذلك تنتقل الرحمة من قلب إلى قلب، ومن يد إلى يد، حتى يتحول المعروف الفردي إلى ثقافةٍ اجتماعيةٍ راسخة.
وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى هذه الروح؛ روح أن يكون الإنسان دليلًا على الخير، وواسطةً في المعروف، وجسرًا تعبر عليه الرحمة، فربما لم يستطع أن يعطي، لكنه يستطيع أن يوصل؛ وربما لم يملك ما يفرّج به الكربة، لكنه يستطيع أن يدلّ من يملك؛ وربما لم يكن صاحب المعروف الأول، لكنه يكون سببًا في وصول المعروف، فينال من الأجر بقدر ما كان له من السعي فيه.
إنّها دعوةٌ إلى ألا نستهين بأي دورٍ في طريق الخير؛ فربّ يدٍ صغيرة أوصلت عطاءً كبيرًا، وربّ كلمةٍ عابرة دلّت على محتاج، وربّ ساعٍ بين الناس فتح بابًا من الرحمة، وما دام الهدف هو رضا الله تعالى، فإنّ طريق المعروف نفسه يصبح عبادة، وتصبح كلُّ خطوةٍ فيه نصيبًا من الأجر.
رحمة الله تعالى لا تقف إزاء الثمانين شخصا من أهل البر والإحسان، وانما هو رقم لكثرة ما تشملهم تلك الرحمة المستفيضة، ربما يصل الى الملايين وهو ما يركزه الإسلام في الأوساط الاجتماعية من الألفة والتراحم والتواصل، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لو أن الصدقة جرت على يدي سبعين ألف ألف إنسان، كان أجر آخرهم مثل أجر أولهم) كنز العمال للمتقي الهندي: ١٦١٩٧.
في هذه الكلمة المضيئة يتجلّى اتساع رحمة الله تعالى، وعظمة العمل الصالح حين يتحول من فعلٍ فردي إلى مسيرةٍ من الخير تتعاقب عليها الأيدي والقلوب، فالصدقة قد تبدأ من إنسان، ثم تنتقل إلى آخر، ومنه إلى ثالث، حتى تبلغ أعدادًا لا تُحصى، ومع ذلك لا تضيق خزائن الأجر، ولا ينقص ثواب من كان سببًا في هذا الخير.
إنّ الصدقة ليست مجرد مالٍ يخرج من يد الغني إلى يد المحتاج، بل هي رحمةٌ تنتقل بين الناس، وقد يكون الإنسان صاحب الصدقة الأولى، ثم يأتي من بعده من يحملها، أو يدلّ عليها، أو يسعى في إيصالها، أو يكون سببًا في توسيع دائرة الانتفاع بها. وهؤلاء جميعًا يدخلون في فضل هذا العمل بحسب ما لهم فيه من مشاركة وسعي.
وما أجمل أن يتعلم الإنسان من هذا المعنى ألا يحتقر دوره في صناعة الخير؛ فقد لا يملك المال، ولكنه يستطيع أن يكون دالًّا عليه، وقد لا يستطيع إعانة المحتاج مباشرة، لكنه يستطيع أن يوصله بمن يستطيع، وقد لا يملك إلا كلمةً طيبة تشجع على البذل، فتكون تلك الكلمة بدايةً لعطاءٍ كبير.
وهنا تتحول الصدقة من عطاءٍ فردي إلى ثقافةٍ اجتماعية؛ فالمحسن لا يكون وحده في ميدان الخير، بل يشاركه كل من أعانه على إيصال إحسانه، وكلما اتسعت دائرة المعروف، اتسعت معها دائرة الرحمة، وأصبح الخير متعديًا من شخص إلى آخر.
ومن أروع ما في هذا المعنى أنّ الله تعالى لا يعامل الأجر بمنطق الحساب البشري المحدود؛ فالمال إذا أُعطي نقص من صاحبه، أما الأجر فكلما تعددت أسباب الخير واتسعت منافعه ازداد ثمرًا وبركة، ولذلك جاء في القرآن الكريم: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) النمل: 89. وقال تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ) البقرة: 272.
إنّ المجتمع الذي يفهم هذه الثقافة لا يسأل: من صاحب الفضل فحسب؟ بل يسأل: كيف تكون أيدينا جميعا تمتد بالخير؟ فربّ متصدقٍ فتح بابًا، وربّ إنسانٍ دلّ عليه، وربّ آخر حمل العطاء، وربّ رابع أوصلَه إلى مستحقه؛ فإذا الخير قد أصبح نهرًا تجري فيه الرحمة من قلبٍ إلى قلب.
ولهذا ينبغي أن نشجع كل مبادرةٍ خيرية، وأن نكون جسورًا لإيصال الصدقات إلى مستحقيها، وأن نربي أبناءنا على أن الدال على الخير شريكٌ في صناعته، فليس شرطًا أن تكون اليد التي تعطي هي اليد التي تصل بها الصدقة إلى المحتاج؛ المهم أن تبقى الرحمة جارية، وأن لا تنقطع سلسلة المعروف.
وهكذا يصبح الإنسان حلقةً في سلسلةٍ عظيمة من الإحسان؛ يبدأها أحدهم، ويواصلها آخر، ويتسع أثرها حتى تبلغ آلاف الناس، بينما يبقى أصل الأجر محفوظًا لصاحب المبادرة، ويُرجى لكل من أسهم في إيصال الخير نصيبه من الثواب.
فطوبى ليدٍ تعطي، وطوبى ليدٍ توصل، وطوبى لقلبٍ يدلّ على الخير؛ فإنّ المعروف إذا جرى بين الناس، لم يكن أجره محصورًا في أول يدٍ حملته، بل كان الخير متسعًا بقدر ما امتدت إليه من الأيدي.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ يومين
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...
منذ 4 ايام
2026/09/18
لم يكن التمييز بين الفلك والتنجيم في الحضارات القديمة قائمًا كما نعرفه اليوم....