تتجلى في ثقافة «سوميماسين» اليابانية فلسفةٌ اجتماعية قائمة على حفظ الانسجام الجماعي والتواضع، والاعتراف بالدين الأخلاقي تجاه الآخرين؛ فالكلمة ليست مجرد اعتذارٍ عن خطأ، بل هي أداةٌ لتلطيف أجواء المعاملة، وجسرٌ لاستمرار العلاقات، وإظهارٌ لعدم رؤية الذات فوق الآخرين.
وهذا المفهوم يلتقي في جوهره العميق مع الأخلاق الإسلامية وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، مع فرقٍ أساسي يكمن في ربط هذه السلوكيات بالنية وتزكية النفس ابتغاء مرضاة الله تعالى:
* التواضع وهدم الكبر: تعكس «سوميماسين» روح التنازل عن الأنا. وفي مدرسة أهل البيت (ع)، يُعدّ التواضع أصل كل رفعة؛ فقد جاء عن الإمام الصادق (ع): «إنّ في السماء مَلَكَينِ موكَّلَينِ بالعبادِ، فمَن تواضَعَ للّهِ رَفَعاهُ، ومَن تَكبَّرَ وَضَعاهُ».
* ثقافة الاعتذار وإصلاح ذات البين: تُستخدم العبارة اليابانية لرأب الصدع قبل تفاقمه. وكذلك يؤكد أهل البيت (ع) على المبادرة إلى الاعتذار والقبول به لحفظ النسيج الاجتماعي؛ يقول الإمام علي (ع): «اقْبَلْ عُذْرَ أَخِيكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْراً». فالاعتذار ليس ضعفاً بل قوة أخلاقية وسعة صدر.
* رد الجميل والاعتراف بالفضل: تحمل الكلمة معنى الاعتراف بالدين الأخلاقي لمن يقدم لطفاً. وفي الشريعة المقدسة، شكر المخلوق هو امتداد لشكر الخالق؛ وعن الإمام السجاد (ع): «أَشْكَرُكُمْ لِلَّهِ أَشْكَرُكُمْ لِلنَّاسِ».
التوازن وعدم المبالغة:
على الرغم من جمال هذه الفلسفة، فإن خطورتها تكمن في "الإفراط" وتحول الاعتذار إلى مظاهر جوفاء، أو استغلاله في سياقات تُهدر الحقوق والمسؤوليات (كما في عالم الأعمال الحديث). وهنا تتجلى بصرامة رؤية أهل البيت (ع) في ضبط التوازن؛ فالاعتذار مطلوبٌ لحفظ الود والمصالح العفوية، لكنه مذموم إذا أدى إلى ذلة المؤمن أو مداهنة الباطل على حساب الحق والعدل.
إن «سوميماسين» - بمعناها القائم على الاستمرارية وعدم انتهاء الإحسان - تُذكّرنا بأن السلوك الأخلاقي ليس معاملة تجارية منتهية، بل هو سجية جارية تصنع مجتمعاً متماسكاً، متى ما صُيغت بصدقٍ ونيةٍ خالصين.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
العنف والرأي الجمعي
تذكرة شهر رمضان المبارك
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاب (سر الرضا) ضمن سلسلة (نمط الحياة)
EN