كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (24)
بقلم: أحمد السراي
حين واجهت النبوةُ عرشَ الطغيان...
تعدُّ واقعةُ دخول سبايا أهلِ البيت (عليهم السلام) إلى الشام من أكثر المشاهدِ إيلاماً في الذاكرةِ الإسلاميةِ، إذ اجتمعَتْ فيها صنوفُ المأساةِ الإنسانيةِ مع أبعادها العقديةِ والأخلاقيةِ، فكانَتْ صورةً مكثفةً للصراعِ بين الحقِّ والباطلِ، وبينَ القيمِ التي حملتها الرسالةُ المحمديةُ وبينَ السلطةِ التي أرادَتْ أن تُخضعَ كلَّ شيءٍ لمنطقِ القوةِ والغلبةِ…
فبعدَ أن انقضَتْ فاجعةُ الطفِّ بساعاتها الداميةِ، وبقيَتِ الأجسادُ الطاهرةُ على رمضاءِ كربلاء بلا مواراةٍ، تتعاقبُ عليها الرياحُ وتلفحها شمسُ الصحراء، اتّجهَتِ القافلةُ المثقلةُ بالأحزانِ نحو الشام، تحملُ في مسيرها ما لم تحملْهُ قافلةٌ قبلها من آلامٍ ومصائبَ...
كانَ الإمامُ الحسين (عليه السلام) قد ارتقى إلى مقامِ الشهادةِ، إلّا أنَّ رأسَهُ الشريفَ ظلَّ حاضراً في المشهدِ حضوراً يفوقُ حضورَ الأحياءِ، مرفوعاً على أطرافِ الرماحِ، كأنَّ القنا تحوّلَ إلى منبرٍ جديدٍ يواصلُ منه الحسينُ أداءَ رسالتِهِ، بعدَ أن عجزَتِ السيوفُ عن إسكاتِ صوتِهِ أو إخمادِ مبادئِهِ...
ولم تكنِ المأساةُ مقتصرةً على ما جرى في أرضِ المعركةِ، بل امتدَّتْ إلى ما أعقبها من سبي نساءِ آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وسَوقهن بينَ البلدانِ، فبناتُ النبوةِ اللواتي نشأنَ في بيوتِ الطهرِ والعفافِ أُخرجْنَ من خدورهن، وسلبْنَ ما كانَ يحيطُ بهنَّ من حرمةٍ وصيانةٍ، وسرنَ في طريقِ الأسرِ تحتَ وطأةِ الفقدِ والفجيعةِ...
وكانَتِ العقيلة زينب (عليها السلام) تتقدّمُ ذلك الركبَ المفجوعَ، تحملُ أعباءَ الإمامةِ، وترعى الأيتامَ والثكالى، وتنهضُ بمهمّةِ حفظِ الرسالةِ في أخطرِ مراحلها وأشدها قسوةً...
وعندما اقتربَ الركبُ من الشام، كانَتِ المدينةُ قد هُيِّأتْ لاستقبالِ ما صُوّرَ للناسِ على أنّهُ نصرٌ سياسي وعسكري، غيرَ أنَّ الحقيقةَ كانَتْ أبعدَ ما تكونُ عن ذلك، إذ لم يدخلِ الشامَ أسرى مهزومونَ بالمعنى الذي أرادَهُ الأعداء، وإنَّما دخلتها بقايا بيتِ النبوّةِ وهم يحملونَ معهم الشرعيةَ الأخلاقيةَ والروحيةَ التي افتقدها خصومهم...
وكانَتِ المفارقةُ الكبرى أنَّ مظاهرَ الاحتفالِ التي أُريدَ لها أن تعلنَ انتصارَ السلطةِ، تحوّلَتْ بمرورِ الزمنِ إلى شاهدٍ على عمقِ المظلوميةِ التي تعرّضَ لها أهلُ البيت (عليهم السلام)، وفي مجلسِ يزيد (لعنه الله) بلغَتِ المأساةُ ذروتها، فهناكَ اجتمعَتْ رموزُ النبوةِ مع رموزِ السلطانِ في مواجهةٍ عارمةٍ...
لم تكن مواجهةَ سلاحٍ، وإنَّما مواجهةُ مبادئ وقيمٍ، وفي ذلك المجلسِ بدا الفارقُ شاسعاً بينَ من استندَ إلى القوةِ الزمنيةِ، وبينَ من استندَ إلى الحقَّ الذي لا يزولُ بزوالِ الدولِ...
ولم يكنِ المشهدُ الذي مُثِّلَ فيه برأسِ الحسين (عليه السلام) إلّا تعبيراً عن محاولةٍ يائسةٍ لإعلانِ الغلبةِ على رجلٍ خرجَ دفاعاً عن الدينِ والكرامةِ الإنسانيةِ، غير أنَّ ما أرادَهُ الطغيانُ وسيلةً لإظهارِ انتصارِهِ تحوّلَ إلى مناسبةٍ لكشفِ حقيقتِهِ، فقد وقفَتِ العقيلة زينب (عليها السلام) والإمام السجاد (عليه السلام) موقفاً استثنائياً في الشجاعةِ والثباتِ، فحوّلا مجلسَ السلطةِ إلى محكمةٍ أخلاقيةٍ حُوكم فيها الظلمُ أمامَ مرأى الجميعِ، ومن خلالِ كلماتٍ قليلةٍ في عددها، عظيمةٍ في أثرها، انكشفَتِ الحقائقُ التي حاولَتِ الدعايةُ السياسيةُ حجبَها، وتبدّلَتْ صورةُ الأسرى في أعينِ الناسِ من خارجينَ على الدولةِ إلى ورثةٍ شرعيينَ لرسالةِ جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)...
لقد كانَتْ رحلةُ السبي إلى الشام امتداداً لمعركةِ كربلاء، لا فصلاً منفصلاً عنها، فالسيفُ الذي بدأ مهمّتهُ في العاشر من المحرم أكملَتْها الكلمةُ بعدَ ذلك، والدمُ الذي أريقَ على أرضِ الطفِّ وجدَ من يحفظُ رسالتَهُ ويصونُ أهدافَهُ، ومن هنا اكتسبَتْ تلك الأحداثُ مكانتها الخالدةَ، لأنَّها لم تكن مجرّدَ مأساةٍ تُروى، بل كانَتْ درساً دائماً في قدرةِ الحقِّ على البقاءِ رغمَ قسوةِ المحنِ، وفي عجزِ القوةِ المجردةِ عن إخمادِ صوتِ الحقيقةِ...
وهكذا بقيَ دخولُ السبايا إلى الشامِ شاهداً على واحدةٍ من أعظمِ المآسي التي عرفَها العالمُ الإسلامي، وشاهداً كذلكَ على عظمةِ الصبرِ والثباتِ الذي تجسّدَ في شخصياتِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، فبينَ الرؤوسِ المرفوعةِ على الرماحِ، والقيودِ التي أثقلَتِ الأعناقَ، والمجالسِ التي أُريدَ لها أن تكونَ ساحاتِ شماتةٍ، وُلدَ انتصارٌ من نوعٍ آخر، انتصارُ الكلمةِ على السيفِ، والمبدأ على السلطةِ، والحقِّ على كلِّ محاولاتِ الطمسِ والإقصاءِ.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
حسين مني وأنا من حسين
شهر رمضان فرصة ربانية لتزكية النفس
الشيخ المقدسي (رحمه الله)
EN