كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (22)
بقلم: أحمد السراي
الطفولةُ المذعورةُ...
تُعدُّ شخصيةُ السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليه السلام) من أكثرِ الشخصياتِ التي تختزنُ وجعَ كربلاء في صورتِهِ الإنسانيّةِ الخالصةِ، فبين السيوفِ والرماحِ، وبينَ صليلِ المعركةِ وضجيجِ المأساةِ، يظلُّ بكاءُ الطفولةِ المذعورةِ أبلغَ من كلِّ الخطبِ، وأقسى من كلِّ الجراحِ، وإذا كانَ يومُ الطفِّ قد سُطّرَ بدماءِ الشهداءِ، فإنَّ رحلةَ السبي كُتبَتْ بدموعِ الأطفالِ، وكانَتْ رقية إحدى أكثرِ تلك الدموعِ مرارةً وأشدّها التصاقاً بوجدانِ الموالينَ والمحبينَ لأهلِ البيت (عليهم السلام)...
ففي مدينة دمشق هناك قبرٌ صغيرٌ، غيرَ أنّهُ يحملُ من الحزنِ ما تعجزُ الجبالُ عن احتمالِهِ، قبرٌ لا يضمُّ جسداً فحسب، بل يضمُّ حكايةَ طفولةٍ أُنهكَتْ قبلَ أوانها، ووردةٍ هاشميةٍ لم تمهلها الحياةُ لتتفتحَ في بستانِ العمرِ…
هناكَ نامَتْ رقية، لكنّ أنينها ظلَّ يقظاً في ذاكرةِ الزمنِ، يوقظُ الدموعَ كلّما مرَّ الركبُ الحسيني في قلوبِ المؤمنين، كانَتْ طفلةً لا تعرفُ من الدُّنيا سوى دفء أبيها الحسين بن علي (عليه السلام)، رغم أنَّ المعروف لا يعرّفُ، لكن نقولُ: (ابن عليٍّ)، لأنّهُ أبو الأيتامِ، فكانَ عالمها كلّهُ يختصرُهُ وجهٌ تشرقُ منه الرحمةُ، وصوتٌ يفيضُ حناناً، ويدانِ تمسحانِ عن قلبها مخاوفَ الليلِ...
وحينَ عصفَتْ بها رياحُ الفاجعةِ، لم تدرك معنى الحربِ ولا دهاليز السياسة، لكنَّها أدركَتْ شيئاً واحداً، أنَّ اليدَ التي كانت تحتضنها قد غابَتْ، وأنَّ القلبَ الذي كانَتْ تأوي إليه لم يعد بقربها، خرجت من كربلاء تحملُ من اليتمِ ما يفوقُ طاقةَ السنين، كانت خطواتها الصغيرةُ تتعثّرُ بينَ أشواكِ الطريقِ، وجسدها النحيلُ يواجهُ قسوةَ السفرِ، بينما كانَتِ القيودُ التي أُثقلَتْ بها الأعناقُ والصدورُ ترسمُ على الوجوه خرائطَ من الألمِ لا تنتهي، وفي عينيها كانَتْ تقيمُ أسئلةٌ بريئةٌ، لا تجدُ جواباً إلّا مزيداً من الدموعِ: أين أبي…
كلُما اشتدّ عليها الحنينُ، ازدادَ وجعُ القافلةِ...
كانت النسوةُ تسكبُ على قلبها الصغيرِ ما استطعنَ من مواساةٍ، ويؤجلن الحقيقةَ القاسيةَ رجاءَ أن يخفّفَ الوهمُ من وطأةِ المصابِ، غير أنَّ القلوبَ المعلقةَ بأحبابها لا تخدعها الكلماتُ طويلاً، فالشوقُ كانَ أكبرَ من كل محاولةٍ للنسيانِ، والحنينُ كانَ يحفرُ صورةَ أبيها في أعماقِ روحها حفراً لا يمحوهُ الزمنُ...
ثم جاءَتِ اللحظةُ التي تجمّعَتْ فيها كلُّ أحزانِ الأرضِ في مشهدٍ واحدٍ، لحظةٌ لم يكن فيها رأسُ الحسين رأسَ شهيدٍ فحسب، بل كان آخرَ ما تبقّى لطفلةٍ تتشبَّثْ بذكرياتِ أبيها، وحينَ وقعَ بصرها على ذلك الرأسِ الشريفِ، انكسرَتِ المسافةُ بينَ الفراقِ واللقاءِ، وبينَ الشوقِ والدمعةِ، وبينَ الحياةِ والموتِ…
ارتمَتْ عليه كما يرتمي الغريقُ على آخرِ نجاةٍ، وكما يهرعُ الطائرُ المرتجفُ إلى دفءِ عشِّهِ بعدَ عاصفةٍ طويلةٍ، ضمّتْ ملامحَهُ بيديها الصغيرتين، وألصقَتْ خدها بخدّهِ، كأنَّها تريدُ أن تستردَّ من الصمتِ صوتاً، ومن الغيابِ حضوراً، ومن الموتِ أباً ما زالَتْ تنتظرُهُ عندَ كلِّ مساءٍ...
وعندَ حدودِ الحزنِ التي لا تحتملُ، أسلمَتْ روحها الطاهرةَ إلى بارئها، ذبلَتْ كما تذبلُ زهرةٌ اُقتلعَتْ من ربيعها قبلَ أن تكتملَ ألوانها، لكنّها تركَتْ للأجيالِ درساً خالداً في معنى الوفاءِ والحبِّ والحنينِ…
لقد رحلَتْ رقية صغيرةً في عمرها، غيرَ أنها بقيَتْ كبيرةً في أثرها، لأنَّها جسّدَتِ الوجهَ الآخرَ من كربلاء، الوجهَ الذي لا تحدثنا عنه السيوفُ، بل تحدثنا عنه الدموعُ...
وإذا كانَ الزائرُ يقفُ عندَ قبرها باكياً، فإنَّهُ لا يبكي طفلةً رحلَتْ فحسب، بل يبكي طفولةً سُبيَتْ، وبراءةً أُنهكَتْ، وقلباً صغيراً حملَ من الأحزانِ ما لو وزعَ على الأيامِ لأثقلها، ومن يتأملْ ملامحَ رقية يُدركْ أنها كانت امتداداً لأمها فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فكما ورثَ الغصنُ من الشجرةِ عطرها، ورثَتِ البنتُ من ذلك البيتِ الطاهرِ نقاءَ الروحِ وعظمةَ الصبرِ، لتبقى ذكراها مصباحاً من الحزنِ المقدسِ، يضيء دروبَ المحبةِ والولاءِ على مرِّ العصور.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
أم البنين .. صانعة الوفاء وراعية الفضيلة
في ذكرى سقوطه
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
EN