كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (23)
بقلم: أحمد السراي
نجمةٌ أطفأها الأسى...
من بين المواجعِ التي تناثرَتْ على طريقِ كربلاء، ومن بين الدموعِ التي سالَتْ على وجوه اليتامى في رحلةِ الأسرِ الطويلةِ، تلوحُ صورةُ طفلةٍ هاشميةٍ صغيرةٍ، كأنَّها زهرةٌ اقتُلعَتْ من غصنها قبلَ أن يكتملَ تفتُّحها، لم تحمل من الدنيا سوى قلباً صغيراً مفعماً بحبِّ أبيها، ثم وجدَتْ نفسها فجأةً في قلبِ العاصفةِ الكبرى التي عصفَتْ ببيتِ النبوّةِ…
كانت كربلاء قد فرغَتْ من ضجيجِ السيوفِ، لكنّها لم تفرغْ من صناعةِ الأحزانِ، فحين سكتَ صليلُ الحديدِ، بدأ صراخُ اليتمِ، وحينَ هدأتْ ساحةُ القتالِ، ارتفعَتْ أنةُ الأطفالِ… عندَ آخر خيطٍ من نهارِ الطفِّ، انطفأتْ في عيونِ الصغارِ ملامحُ الأمانِ، وغدا العالمُ فجأةً مكاناً موحشاً لا يعرفُ الرحمةَ…
كانت تنظرُ إلى الخيامِ المشتعلةِ بعينينِ لا تستوعبانِ معنى ما جرى، تبحثُ بين الوجوه عن وجه أبيها، وبينَ الأصواتِ عن نبرةٍ كانَتْ تمنحها الطمأنينةَ، فلا تجدُ سوى الدخانَ، ولا تسمعُ سوى البكاءَ.
لقد كانَ الحسين بالنسبةِ إليها وطناً كاملاً، وحينَ غابَ الوطنَ، تاهَتِ الطفلةُ في صحراء الفقدِ، ثم بدأتْ رحلةُ السبي، الرحلةُ التي لم تكن انتقالاً من مكانٍ إلى مكانٍ، بل كانت انتقالاً من وجعٍ إلى وجعٍ، ومن مصيبةٍ إلى أخرى أشدّ مرارةٍ، كانَتِ الرمالُ تلفحُ الوجوهَ الصغيرةَ، وكانَتِ القيودُ الثقيلةُ ترسمُ على الأجسادِ النحيلةِ خرائطَ من الألمِ، وكلما امتدَّ الطريقُ، ازدادَ الحنينُ اتساعاً في قلبِ الطفلةِ، حتى صارَ الشوقُ إلى أبيها أكبرَ من قدرتها على الاحتمالِ، لم تكن تعرفُ لماذا يساقُ أولادُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين البلدانِ، ولا لماذا تُرفعُ الرؤوسُ على الرماحِ، ولا لماذا يقابلُ الحزنُ بالسياطِ، لكنها كانت تعرفُ شيئاً واحداً فقط، أنَّ أباها ليسَ هنا، وأنّ قلبها الصغيرَ ينكسرُ في كلِّ خطوةٍ من خطواتِ الطريقِ…
وفي ليالي الغربةِ الطويلةِ، كانَتِ الوحدةُ تنسجُ حولَ روحها ستاراً من الكآبةِ، طفلةٌ أنهكها العطشُ، وأضناها السفرُ، وأرهقَتها مشاهدُ الألمِ المتلاحقةُ، وكلما أرادَتْ أن تستندَ إلى ذكرى أبيها، جاءها الواقعُ أكثرَ قسوةً من أن يحتملَ، حتى إذا بلغَتْ رحلةُ الأحزانِ منتهاها، أسلمَتْ تلك الروحُ البريئةُ نفسها إلى بارئها، بعدَ أن أثقلتها الغربةُ وأرهقها الوجعُ…
رحلَتْ لا لأنَّ العمرَ اكتملَ، بل لأنَّ الحزنَ كانَ أكبرَ من أن يحتملَهُ قلبُ طفلةٍ، وكأنَّ كربلاء لم تكتفِ بدماءِ الرجالِ، حتى اقتطعَتْ من بستانِ أهلِ البيتِ زهرة أخرى، لتبقى شاهدةً على حجمِ المأساةِ التي حلَّتْ بذلك البيتِ الطاهرِ…
إنَّ الحديثَ عن السيدة رقية (عليها السلام) ليسَ حديثاً عن طفلةٍ رحلَتْ فحسب، بل عن طفولةٍ ذُبحَتْ على مذبحِ الظلمِ، وعن براءةٍ طافَتْ في طرقاتِ السبي تبحثُ عن ظلِّ أب مفقودٍ، ولهذا بقيَتْ ذكراها حيّةً في الوجدانِ، لأنَّها تختصرُ الوجهَ الأكثرَ وجعاً في كربلاء، وجهَ الأطفالِ الذين لم يحملوا سيفاً، ولم يخوضوا حرباً، لكنهم دفعوا من أعمارهم الصغيرة ثمناً للفاجعةِ.
سلامٌ على رقيّةَ، يوم ارتجفَ قلبها لفراقِ أبيها، ويومَ أثقلها الطريقُ وهي لا تزالُ في ربيعِ العمرِ، ويومَ رحلَتْ تحملُ في عينيها صورةَ أبيها…
وسلامٌ على تلك الأرواحِ الصغيرةِ التي علّمَتِ الأمةَ أنَّ المأساةَ لا تقاسُ بعددِ الشهداءِ فحسب، بل بعددِ القلوبِ البريئةِ التي انكسرَتْ تحتَ وطأةِ الفقدِ، ثم مضَتْ إلى الله (تعالى) وهي تحملُ وجعها صامتةً كنجمةٍ انطفأتْ قبلَ أوانها.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
المرجعية ردّت كل الشبهات ضد المرجعيات عبر التأريخ
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
EN