Logo

بمختلف الألوان
رِسالةٌ إلى قَلبِكَ (الرَّحمَةُ) عِندَما تَضِيقُ بِكَ الدُّنيا، وَعِندَما تَتَسَاءَلُ: أينَ الفَرجُ مَتَى تَنكَشِفُ الغُمَّةُ تَذَكَّرْ هذهِ الآيَةَ العَظيمَةَ: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
جرابٌ في عتمة الليل

منذ ساعتين
في 2026/08/10م
عدد المشاهدات :54

حسن الهاشمي
تحتلُّ صدقة السر مكانةً رفيعةً في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنها تمثل أسمى صور الإخلاص لله تعالى، وتُجسِّد البعد الإنساني في العطاء، بعيدًا عن الرياء وطلب الثناء، وقد ربّى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) شيعتهم على أن تكون الصدقة عملاً خالصًا لله، لا ينتظر صاحبه من الناس جزاءً ولا شكورًا.
قال الله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) البقرة: 271. فالآية الكريمة تجعل صدقة السر أفضل من صدقة العلن في كثير من الموارد، لما فيها من صيانة لكرامة الفقير، وحفظ لإخلاص المتصدّق، وإبعادٍ للنفس عن حبِّ السمعة.
وقد أكّد الإمام زين العابدين (عليه السلام) هذا المعنى في رسالة الحقوق بقوله: (وحقُّ الصدقة أن تعلم أنها ذُخرك عند ربك عزّ وجل، ووديعتك التي لا تحتاج إلى الإشهاد عليها، وكنتَ بما تستودعه سرًّا أوثق منك بما تستودعه علانية، وتعلم أنها تدفع البلايا والأسقام عنك في الدنيا، وتدفع عنك النار في الآخرة) وهذا النص يبيّن أن الصدقة ليست إنقاصًا للمال، وإنما هي ادخارٌ عند الله سبحانه، وأن إخفاءها يزيدها قيمةً وبركةً.
وكان أهل البيت (عليهم السلام) يترجمون هذه التعاليم إلى واقع عملي، فقد عُرف الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) بأنه كان يحمل جراب الطعام على ظهره ليلًا إلى بيوت الفقراء، فلا يعرفون من الذي يأتيهم به، حتى افتقدوا ذلك العطاء بعد شهادته، فعرفوا أن صاحب الصدقات الخفية كان الإمام نفسه، عن محمد بن إسحاق: (إنه كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل) بحار الانوار للمجلسي: ٤٦ / ٨٩ / ٧٧.
ومن آثار صدقة السر أنها تُنمّي الإخلاص، وتطهّر القلب من الرياء، تحفظ كرامة المحتاج وتصون مشاعره، تدفع البلاء وتستنزل الرحمة الإلهية، تُكفّر الذنوب وتمحو السيئات بإذن الله، وتُشيع روح التكافل الاجتماعي بعيدًا عن المَنِّ والأذى.
واليوم، ونحن نعيش في زمن كثرت فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان بحاجة إلى أن يخصّص لنفسه أعمالًا لا يعلم بها إلا الله، وفي مقدمتها صدقة السر، فما أجمل أن يكون للعبد رصيدٌ خفيٌّ بينه وبين ربه، ينفقه ابتغاء وجه الله وحده، بعيدًا عن عدسات الكاميرات وثناء الناس.
لقد أراد أهل البيت (عليهم السلام) أن يبنوا مجتمعًا يتسابق أفراده إلى الإحسان لا إلى الظهور، وإلى خدمة المحتاج لا إلى اكتساب الشهرة، ومن هنا كانت صدقة السر مدرسةً في الإخلاص، وعنوانًا للتقوى، وسببًا لنيل رضا الله تعالى، مصداقًا لقوله عز وجل: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) البقرة: 272.
عن الإمام الباقر (عليه السلام) - في الإمام زين العابدين (عليه السلام) -: (إنه كان يخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره حتى يأتي بابا بابا، فيقرعه ثم يناول من كان يخرج إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيرا لئلا يعرفه) بحار الانوار للمجلسي: ٤٦ / ٨٩ / ٧٧. وهذه الرواية تكشف عن جملة من الدروس التربوية منها الإخلاص الكامل لله تعالى، إذ كان الإمام يخفي شخصيته حتى عن الفقير، المحافظة على كرامة المحتاج، فلا يشعر بأنه موضع إحسان من شخص بعينه، والمبادرة إلى قضاء حوائج الناس بنفسه، دون أن يكل ذلك إلى غيره، ومن الواضح أن أفضل الصدقة ما كانت خالصة لوجه الله، بعيدة عن طلب المدح والثناء.
ولذلك لم يعرف كثير من فقراء المدينة أن الذي كان يحمل إليهم الطعام ليلًا هو الإمام السجاد (عليه السلام)، حتى فُقد ذلك العطاء بعد وفاته، فعرفوا أن صاحب الجراب كان علي بن الحسين (عليه السلام)، وهي من أبلغ الشواهد على تجسيد أهل البيت (عليهم السلام) لمعنى صدقة السر في حياتهم العملية.
نعم انه كان يفعل ذلك حين يسدل الليل ستاره، وتغفو العيون، وتخفت الأصوات، يخرج رجلٌ لا يريد أن يراه أحد، ولا أن يُذكر اسمه على لسان أحد، يمشي في أزقة المدينة بخطواتٍ هادئة، يحمل على ظهره جرابًا أثقلته أرغفة الخبز وأكياس الدقيق، لكن قلبه كان أخفَّ من النسيم؛ لأنه يحمل همَّ الفقراء إلى الله، لا همَّ سمعته إلى الناس.
إنه الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، الذي جعل من الليل موعدًا للعطاء، ومن الخفاء طريقًا إلى الإخلاص، لم يكن يطرق أبواب المحتاجين بيد المتفضّل، بل بقلب الأب الرحيم، فإذا فتح الفقير بابه ناوله عطاءه وهو يغطي وجهه، حتى لا يخجل المحتاج من معرفة مُحسنه، وحتى لا يجد الشيطان إلى قلب المعطي سبيلًا من رياءٍ أو إعجاب.
ما أعظم هذا المشهد! إمامٌ تتطلع إليه الأمة، ومع ذلك يحمل الطعام على ظهره بنفسه، ويجوب الأزقة في الظلام، لا يرافقه موكب، ولا يسبقه نداء، ولا تلاحقه الأضواء، إنه يعلم أن الأعمال التي تُرفع إلى السماء لا تحتاج إلى عدسات الناس، وإنما تحتاج إلى عين الله التي لا يغيب عنها شيء.
لقد كان (عليه السلام) يريد أن تصل اللقمة إلى يد الجائع قبل أن يصل اسمه إلى أذن الفقير، فالمهم عنده أن تُسدَّ حاجة المحتاج، لا أن يُشكر المحسن، ولهذا كان يخفي وجهه، كما أخفى قصده، لأن الصدقة إذا امتزجت بالإخلاص أصبحت نورًا يضيء طريق صاحبها يوم يلقى ربه.
وحين ارتحل الإمام إلى جوار ربه، انقطع ذلك الزائر الليلي، وغاب طرق الباب الذي ألفه الفقراء، فعرفوا يومئذٍ أن اليد التي كانت تمتد إليهم في ظلمة الليل هي يد زين العابدين (عليه السلام)، لقد عرفوه بعد رحيله، لأن الإخلاص لا يطلب أن يُعرف في الحياة، وإنما يكفيه أن يكون معروفًا عند الله.
إن هذه الرواية ليست قصةً من صفحات التاريخ فحسب، بل هي مدرسةٌ في صناعة الإنسان المؤمن، إنها تعلمنا أن أعظم المعروف ما خفي، وأن أنقى الصدقات ما صانت كرامة الفقير، وأن قيمة العطاء لا تُقاس بحجمه، بل بما يحمله من إخلاص ورحمة.
وفي زمنٍ أصبح فيه كثير من أعمال البر تُعرض على الشاشات قبل أن تصل إلى الفقراء، يقف الإمام السجاد (عليه السلام) ليعيد ترتيب الأولويات، فيقول بلسان حاله: إذا أردت وجه الله، فاجعل بينك وبينه عملًا لا يطلع عليه إلا هو.
وهكذا بقي جراب الإمام السجاد (عليه السلام) رمزًا للعطاء الصامت، وبقيت خطواته في ظلمة الليل درسًا خالدًا للأجيال، يعلّمها أن الإحسان الحقيقي لا يحتاج إلى تصفيق الناس، وإنما يحتاج إلى قلبٍ عرف الله، فأحب عباده، وأعطاهم ابتغاء مرضاته وحده.
في 4 من اغسطس من عام 1922
بقلم الكاتب : ياسين فؤاد الشريفي
وفاة أنور باشا أحد القادة العسكريين والسياسيين البارزين في السنوات الأخيرة من عهد الدولة العثمانية ففي 3 يناير 1914، عُيّن وزيرًا للحربية وهو في الـ32 من عمره، وأصبح لاحقًا إلى جانب طلعت باشا وجمال باشا من أبرز قادة جمعية الاتحاد والترقي، وهي المجموعة التي عُرفت باسم "الباشوات الثلاثة" خلال فترة الحرب... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً حين رنّ هاتفه. لم يكن بحاجة للنظر إلى الشاشة... المزيد
لم يكن الماء في حياة موسى عليه السلام ماءً. كان قدراً سائلاً، يلبس في كل مرةٍ... المزيد
في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي... المزيد
العبارة في اللغة هي مجموعة من الكلمات المترابطة التي تؤدي دلالة أو معنى معيناً،... المزيد
أولاً: وجود المجاز المرسل يوجد مجاز مرسل في عبارة "تفرقت كلمة القوم"، وهو من أبرز... المزيد
الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على... المزيد
جاء في موقع توينكل عن الجناس في اللغة العربية: تعريف الجناس: الجناس لغةً: هو ضربًا من كل شيء...
تتنزّل منظومة ابن العرندس الحسني في فضاء العرفان كشهابٍ قدسيٍّ يشقُّ حُجب المادة، ليرسم...
كانت الوحوشُ لا تعرفُ في حياتها سوى قانونٍ واحد: القوةُ لمن يملكُ الأنيابَ الأطول، والمخالبَ...
في شارع الرشيد، حيث يتنفس التاريخ من رئة الورق المعتّق، كان صوت البائع يشقُّ الزحام : "الكتاب...


منذ 3 ساعات
2026/08/10
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وأربعة عشر: خاتمة النسبية الخاصة: من هندسة...
منذ 3 ساعات
2026/08/10
قد يشعر الإنسان بالتعب أو الدوار بعد الوقوف تحت أشعة الشمس في يوم شديد الحرارة،...
منذ 3 ساعات
2026/08/10
تعتمد دول الخليج العربي على محطات تحلية مياه البحر لتوفير معظم احتياجاتها من مياه...
 شعار المرجع الالكتروني للمعلوماتية




البريد الألكتروني :
info@almerja.com
الدعم الفني :
9647733339172+