Logo

بمختلف الألوان
رِسالةٌ إلى قَلبِكَ (الرَّحمَةُ) عِندَما تَضِيقُ بِكَ الدُّنيا، وَعِندَما تَتَسَاءَلُ: أينَ الفَرجُ مَتَى تَنكَشِفُ الغُمَّةُ تَذَكَّرْ هذهِ الآيَةَ العَظيمَةَ: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (20)

منذ ساعتين
في 2026/08/10م
عدد المشاهدات :8
كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (20)
بقلم: أحمد السراي
حين تكلّمَ الرأسُ الشريفُ!
 
في بعضِ المآسي لا يعدُّ الحزنُ شعوراً عابراً يمرُّ بالقلبِ ثم يمضي، بل يتحوّلُ إلى كائنٍ هائلٍ يملأ الجهاتِ، ويستقرُّ في مفاصلِ الزمنِ، ويجعلُ للألمِ صوتاً يسمعُ، وللدموعِ لغةً تقرأ، وللصمتِ مراثيَهُ التي لا تنتهي، وهناك، عندَ آخر حدودِ الفاجعةِ، حيث كانَتْ كربلاء تلفُّ جراحها بعباءةِ الغروبِ، وحيث كانَتِ الرمالُ ما تزالُ دافئةً بحرارةِ الدمِ المقدسِ، وقفَ الكونُ كلّهُ مذهولاً أمامَ مشهدٍ لم تعرفْ له الأرضُ شبيهاً، ولم تحفظِ الذاكرةُ الإنسانيةُ له نظيراً.
كانَ الجسدُ الطاهرُ مسجى على صدرِ الرمضاءِ، كأنَّ الشهادةَ افترشَتْ له أجنحةَ الخلودِ، وكأنَّ الأرضَ قد ضمَّتْهُ إلى قلبها خشيةَ أن تفرّطَ بذرةٍ من ذلك النورِ العظيمِ، كانَتِ الرمالُ من حولَهُ تبدو واجمةً كأراملِ الفقدِ، وكانَتِ الرياحُ تمرُّ متثاقلةً كأنَّها تحملُ على أكتافها أثقالَ المصيبةِ، أمّا السماءُ فقد بدَتْ أقربَ من أيِّ وقتٍ مضى، تنحني بخضوعٍ فوقَ ذلك الجسدِ الذي علّمَ الإنسانيةَ أنَّ طريقَ الله (تعالى) قد يعبّدُ بالدمِ كما يعبّدُ بالصلاةِ.
ثلاثة أيامٍ والجسدُ الطاهرُ وحيدٌ على الثرى، غيرَ أنَّ الوحدةَ لم تكن تعرفُ طريقها إليه، فالملائكةُ كانَتْ تملأ الفضاءَ حولَهُ، والأرواحُ الطاهرةُ كانَتْ تحفُّ موضعَهُ كأنَّها تطوفُ حولَ قبلةٍ من نورٍ، والكونُ بأسرِهِ كانَ واقفاً عندَ أعتابِ تلك الهيبةِ التي لا تشبهُ هيبةَ الموتِ، بل تشبهُ هيبةَ الخلودِ حينَ يتجلى في صورةِ إنسانٍ…
وفي الجهةِ الأُخرى من المأساةِ، كانَ الرأسُ الشريف يرتفعُ فوقَ السنانِ، لكن المشهدَ لم يكن مشهدَ رأسٍ مرفوعٍ على رمحٍ، بل مشهدُ رسالةٍ تعلو فوقَ ركامِ الجريمةِ، ونورٍ يشقُّ طريقَهُ من قلبِ الظلامِ، كانَ الرمحُ يظنُّ أنّهُ يحملُ رأساً، بينما كانَ يحملُ سيرةً كاملةً من النبوّةِ، وسراً من أسرارِ السماءِ، وصوتاً أرادَ الله (تعالى) له أن يبقى أعلى من ضجيجِ الطغاةِ جميعاً…
ارتفعَ الرأسُ الشريفُ، فارتفعَ معهُ معنى الكرامةِ، وارتفعَ معنى الفداءِ، وارتفعَ معنى الانتصارِ الذي لا تصنعُهُ السيوفُ...
كانَ البدرُ قد أشرقَ من بينِ الأسنةِ، وكانَتِ الأنوارُ تتدفّقُ من محياه المباركِ حتى بدا الليلُ غريباً في حضرةِ ذلك الضياءِ، وما أشدَّ دهشةَ المشهدِ حين يتحوّلُ الرمحُ، الذي أُريدَ له أن يكونَ عنواناً للهزيمةِ، إلى منارةٍ يهتدي بها العاشقونَ عبرَ القرونِ...
ثم جاءَتِ اللحظةُ التي انحنى عندها الذهولُ خاشعاً، حين انطلقَتِ الآياتُ من بينِ الشفتين المباركتين، عندها لم يعُدِ المشهدُ أرضياً، ولم تعُدِ الواقعةُ حدثاً من أحداثِ الزمانِ، بل غدَتِ السماءُ كلها حاضرةً في تلك الكلماتِ، كانَ القرآنُ يتكلّمُ من فوقِ الرمحِ، وكانَتِ الحروفُ الإلهية تتهادى فوقَ رؤوس الناسِ كأنَّها أمواجُ نورٍ تنحدرُ من العرشِ...
سكتَ الحديدُ، وسكتَتِ القسوةُ، وسكتَتْ نشوةُ الجريمةِ، ولم يبقَ إلّا صوتُ الحقيقةِ وهي تتلو نفسها بنفسها، كأنَّ الرسالةَ أرادَتْ أن تعلنَ بلسانِ الدمِ أنها ما زالَتْ حيةً، وأنَّ الرأسَ الذي فُصلَ عن الجسدِ لم يفصلْ عن الله (عز وجل)، وأنَّ الصوتَ الذي خرجَ من أعماقِ الشهادةِ أقوى من كلِّ صخبِ الطغيانِ.
أما الصدرُ الشريفُ، ذلك الصدرُ الذي اتّسعَ للرسالةِ والرحمةِ والإنسانيةِ، فقد بقيَ على الرمالِ شاهداً على أقسى ما يمكنُ أن يبلغَهُ الحقدُ حين يفقدُ إنسانيّتَهُ، عبرَتْ فوقَهُ الخيلُ، وأثقلَتهُ الجراحُ، لكن الوحشيةُ لم تستطع أن تنالَ من قدسيتِهِ، لأنَّ الأشياءَ العظيمةَ لا تقاسُ بما يصيبها، بل بما تبقى عليه بعدَ كلِّ ما يصيبها، وظلَّ ذلك الصدرُ في وجدانِ المحبينَ أشبهَ بمحرابٍ أبدي للحزنِ، كلما مرَّتْ به الأرواحُ شعرَتْ أنَّها أمامَ قلبِ العالمِ كله، وأمامَ وجعٍ لا يزالُ ينبضُ رغمَ مرورِ الزمنِ...
ثم يمتدُّ البصرُ نحو الإمامِ السجاد (عليه السلام)، إلى ذلكَ القلبِ الذي كُتبَ عليه أن يحملَ وحدَهُ ما تعجزُ الجبالُ عن حملِهِ، مضى مثقلاً بالمرضِ، تتكسّرُ القيودُ حولَ معاصمِهِ، وتنهكُ الحمّى جسدَهُ النحيلَ، لكنَّهُ بقيَ واقفاً بقامتِهِ الروحيةِ الشامخةِ، كأنَّ المصائبَ كلها لم تكن سوى أمواجاً ترتطمُ بصخرةِ اليقينِ، كانَ يسيرُ، وفي داخلِهِ مدينةٌ كاملةٌ من الأحزانِ، يسيرُ وفي عينيه ألسنةُ اللهبِ التي أكلَتِ الخيامَ، يسيرُ وفي ذاكرتِهِ وجوهُ الشهداءِ تشرقُ كالكواكبِ، يسيرُ وفي قلبِهِ صرخاتُ الأطفالِ اليتامى ودموعُ النساءِ الثكالى، كانَ يحملُ الطفَّ كلّهُ بينَ ضلوعِهِ، ويحملُ معه آخر ما تبقّى من النبوّةِ وهي تعبرُ صحراء الألمِ نحو الخلودِ.
ومن بينِ ركامِ الفواجعِ، يرتفعُ ذلك النداءُ الذي ما زالَ صداه يملأ القلوبَ إلى اليوم:
واجداه…
كلمةٌ واحدةٌ، لكنَّها كانَتْ بحجمِ المصيبةِ كلها، كلمةٌ خرجَتْ من قلبٍ أثقلَتْهُ الدموعُ حتى كادَ ينكسرُ، كلمةٌ تتدفّقُ منها لوعةُ الأيتامِ، ووحشةُ الفقدِ، وحنينُ الأرواحِ التي تبحثُ بينَ الخرائبِ عن دفءِ الأحبّةِ…
كانَ ينادي فلا يُجيبُهُ إلا الصدى، وينظرُ فلا يرى إلا آثارَ الراحلينَ، ويفتّشُ في الجهاتِ عن وجوهٍ كانت تملأ الدُّنيا أمناً وحناناً... عن العباس الذي صارَ اسمُهُ مرادفاً للوفاءِ، وعن الأكبر الذي ما زالَ الجمالُ يتيماً بعدَهُ، وعن الحسين الذي غابَ جسدُهُ عن الأرضِ، لكنَّهُ ملأ السماءَ حضوراً، حتى بدا الكونُ كلُّهُ خالياً إلا من الذكرى، ووحيداً إلا من الحنينِ...
غيرَ أن كربلاء، رغمَ كلِّ هذا الوجعِ، لم تكن أرضَ انطفاءٍ، كانَتْ أرضَ ولادةٍ، ولادةِ النورِ من قلبِ الدمِ، وولادةِ الخلودِ من قلبِ الفاجعةِ، وولادةِ الحقيقةِ من قلبِ المحنةِ، فالرأسُ الذي تكلّمَ فوقَ الرمحِ لم يكن يخاطبُ أهلَ زمانِهِ وحدهم، بل كان يخاطبُ كلَّ روحٍ تأتي بعدَهُ، وكلَّ قلبٍ يبحثُ عن معنى الكرامةِ، وكلَّ إنسانٍ يريدُ أن يعرفَ كيفَ ينتصرُ الحقُّ وهو يغطي جسدَهُ بدمائِهِ…
ومنذُ ذلك اليومِ، لم يعُدِ الرمحُ رمحاً، ولا الدمُ دماً، ولا الحزنُ حزناً، صارَ الرمحُ منبراً، وصارَ الدمُ نوراً، وصارَ الحزنُ صلاةً طويلةً تتعبّدُ بها القلوبُ عندَ أبوابِ الوفاءِ…
ولهذا ما زالَتْ كربلاء تنبضُ في الوجدانِ كما لو أنَّ الفاجعةَ وقعَتِ الآن، وما زالَ الرأسُ الشريفُ يتكلّمُ، لا بالحروفِ والأصواتِ، بل بذلكَ النورِ الذي لا يخفتُ، وتلك الحقيقةِ التي لا تشيخُ، وذلكَ النداء الخالد الذي يعبرُ القرونِ جيلاً بعدَ جيلٍ، ليقولَ:
إنَّ الأجسادَ قد تسقطُ على الثرى، أما الأرواحُ التي عبدت الله (تعالى)، فلا تغيبُ، وإنَّ الرؤوسَ التي قُطعَتْ في سبيلِ الحقِّ تظلُّ أعلى من السيوفِ التي قطعتها، وأبقى من الأزمنةِ التي مرّتْ عليها، وأوسعَ من الدنيا كلها وهي تمضي نحو خلودها الأبدي.

في 4 من اغسطس من عام 1922
بقلم الكاتب : ياسين فؤاد الشريفي
وفاة أنور باشا أحد القادة العسكريين والسياسيين البارزين في السنوات الأخيرة من عهد الدولة العثمانية ففي 3 يناير 1914، عُيّن وزيرًا للحربية وهو في الـ32 من عمره، وأصبح لاحقًا إلى جانب طلعت باشا وجمال باشا من أبرز قادة جمعية الاتحاد والترقي، وهي المجموعة التي عُرفت باسم "الباشوات الثلاثة" خلال فترة الحرب... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً حين رنّ هاتفه. لم يكن بحاجة للنظر إلى الشاشة... المزيد
لم يكن الماء في حياة موسى عليه السلام ماءً. كان قدراً سائلاً، يلبس في كل مرةٍ... المزيد
في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي... المزيد
العبارة في اللغة هي مجموعة من الكلمات المترابطة التي تؤدي دلالة أو معنى معيناً،... المزيد
أولاً: وجود المجاز المرسل يوجد مجاز مرسل في عبارة "تفرقت كلمة القوم"، وهو من أبرز... المزيد
الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على... المزيد
جاء في موقع توينكل عن الجناس في اللغة العربية: تعريف الجناس: الجناس لغةً: هو ضربًا من كل شيء...
تتنزّل منظومة ابن العرندس الحسني في فضاء العرفان كشهابٍ قدسيٍّ يشقُّ حُجب المادة، ليرسم...
كانت الوحوشُ لا تعرفُ في حياتها سوى قانونٍ واحد: القوةُ لمن يملكُ الأنيابَ الأطول، والمخالبَ...
في شارع الرشيد، حيث يتنفس التاريخ من رئة الورق المعتّق، كان صوت البائع يشقُّ الزحام : "الكتاب...


منذ 3 ساعات
2026/08/10
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وأربعة عشر: خاتمة النسبية الخاصة: من هندسة...
منذ 3 ساعات
2026/08/10
قد يشعر الإنسان بالتعب أو الدوار بعد الوقوف تحت أشعة الشمس في يوم شديد الحرارة،...
منذ 3 ساعات
2026/08/10
تعتمد دول الخليج العربي على محطات تحلية مياه البحر لتوفير معظم احتياجاتها من مياه...
 شعار المرجع الالكتروني للمعلوماتية




البريد الألكتروني :
info@almerja.com
الدعم الفني :
9647733339172+