كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (19)
بقلم: أحمد السراي
حين خرجَتِ الشمسُ من خدرها...
لم تكنِ الفاجعةُ يومَ أُريقَتِ الدماءُ على الثرى وحسب، بل يوم ارتجفَتِ الأستارُ التي ما عرفَتْ يدُ الزمانِ إلى مثلها سبيلاً، ويومَ خرجَتْ عقائلُ الوحي من خدورهن مكرهاتٍ على دربٍ تتعثّرُ فيه الخطى بلهيبِ المصيبةِ، وتتكسّرُ عليه الأنفاسُ من وطأةِ الفقدِ...
كُنَّ زهراتٍ نَمَتْ في ظلالِ القداسةِ، وربائبَ بيتٍ تنفّسَتْ جدرانُهُ آياتِ السماءِ، فما وقعَتْ عينٌ على محياهن إلّا بمقدارِ ما تقعُ على النجومِ البعيدةِ، نوراً يُهتدى به، وهيبةً تصانُ بها الحرماتُ، عشنَ خلفَ أستارِ العفافِ كما تعيشُ اللآلئ في أعماقِ البحارِ، لا تبلغها يدٌ، ولا تمتدُّ إليها إساءةٌ…
ثم هبّتِ العاصفةُ، فإذا بالخيامِ التي كانَتْ تضجُّ بذكرِ الله (تعالى) أصبحَتْ موحشةً كأنَّها أطلالُ قلبٍ مكسورٍ، وإذا بالأطفالِ يطاردونَ ظلالَ الأمانِ فلا يجدونَ غيرَ الدموعِ، وإذا بالنساءَ اللواتي اعتدنَ صيانةَ الخدورِ يواجهنَ قسوةَ الطريقِ وأعينَ الشامتينَ…
كانَتِ المصيبةُ أكبرَ من أن تحكى، وأوسعَ من أن تحتويها الكلماتُ، مصيبةٌ جعلَتِ الحزنَ يمشي على قدمين، ويتّخذُ من القافلةِ هيئةً، ومن الدموعِ لغةً، ومن الصمتِ أنيناً…
هناك... وقفَتْ مولاتنا زينب (عليها السلام)، لا كامرأةٍ أثقلها البلاءُ فحسب، بل كجبلٍ من الصبرِ ينهضُ فوقَ ركامِ الوجعِ، كانَتْ تحملُ في قلبها مدناً من الأحزانِ، ومع ذلك بقيَ صوتها مشعلاً لا تنطفئ شعلتُهُ، وبقيَتْ روحها سامقةً كالنخيلِ كلَّما عصفَتْ بها الرياحُ ازدادَتْ رسوخاً، وكانَتِ العقائلُ يمضينَ خلفها كأقمارٍ غشّاها غبارُ الطريقِ، لكن نورها لم يخفتْ، أرامل ثكالى فقدنَ الأحبةَ والإخوةَ والأبناءَ، غير أنَّ الفقدَ لم ينتزعْ من أرواحهن مهابتها، ولم يستطعِ الألمُ أن يسرقَ من وجوههن بقايا الكبرياءِ.
يا لها من صورةٍ يضيقُ البيانُ عن حملها، بناتُ الرسالةِ يذرعنَ الفلواتِ، والوجعُ ينسابُ مع خطاهن كالنهرِ، بينما السماءُ تنحني فوقَ رؤوسهن حزناً، والأرضُ تحفظُ آثارَ أقدامهن كما تحفظُ المآذن صدى الأذانِ، كلُّ منزلٍ نزلْنَهُ كانَ يزدادُ شرفاً بمرورهن، وكلُّ طريقٍ سلكْنَهُ كانَ يتعلّمُ من صبرهن معنى الثباتِ، حتى القيودُ التي أرادها الظالمونَ علامةَ انكسارٍ، تحوّلَتْ في حضورهن إلى أوسمةٍ من مجدٍ، وحتى الدموعُ التي سالَتْ على الخدودِ غدَتْ أنهاراً من النورِ تروي ضمائرَ المحبينَ.
لقد خرجتْ تلك النسوة من الخيامِ وهنّ يحملنَ فوقَ أكتافهن أثقالَ المصيبةِ، لكنَّهنَّ حملنَ رسالةَ الدمِ الطاهرِ، وحفظنَ أنفاسَ الشهادةِ من أن تضيعَ بين ضجيجِ السيوفِ، فكانَ الألمُ في طريقهن عبادةً، والصبرُ رايةً، والدمعةُ بياناً بليغاً لا يقلُّ أثراً عن الخطبِ والكلماتِ، ومنذُ ذلك الحينِ بقيَتِ القافلةُ تمضي في وجدانِ المحبين، قافلةٌ يختلطُ فيها النحيبُ بالعظمةِ، والدمعُ بالكبرياءِ، واللوعةُ بالنورِ، كلما ذُكرَتْ تراءَتِ الأرواحُ كأنَّها ترى أستارَ الخيامِ وهي ترفرفُ فوقَ رمضاءِ الحزنِ، وترى زينب تمضي شامخةً بينَ الركبِ، تجمعُ شتاتَ القلوبِ المكسورةِ، وتنسجُ من خيوطِ الألمِ ثوباً من الخلودِ…
سلامٌ على تلك الوجوهِ التي أرهقها السفرُ ولم يطفئ إشراقها، وسلامٌ على تلك العيونِ التي أثقلتها الدموعُ وبقيَتْ تبصرُ طريقَ الحقِّ، وسلامٌ على تلك القلوبِ التي سُبيَتْ أجسادها، وبقيَتْ أرواحُها حرّةً تعانقُ السماءَ.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
تأثير الخلل في الحاضنة على سوء تلقي الدين
ماذا لو تخلى العرب عن لغتهم ؟
في ذكرى سقوطه
EN