كرنفالُ الحزنِ بين الأرضِ والسماءِ (18)
بقلم: أحمد السراي
ومثل زينب كيف تسبى؟
أيُّ مفرداتٍ تستطيعُ أن تحتملَ هذا المشهدَ؟
وأيُّ لغةٍ تملكُ من السعةِ ما يكفي لتصفَ حفيدةَ النبوةِ وهي تقادُ بين السبايا، وقد كانَتْ بالأمسِ سيدةً يهابُ جلالَها القريبُ والبعيدُ؟
أوَمثلُ زينب تسبى؟
سؤالٌ لم يزل يتردَدُ في أروقةِ الحزنِ منذُ ذلك اليومِ، كأنَّ الدهرَ نفسَهُ وقفَ مذهولاً أمامَ فداحةِ ما جرى، فهذه ليسَتْ امرأةً عاديةً ساقتها الحروبُ إلى الأسرِ، بل ابنةُ البيتِ الذي أشرقَتْ منه شمسُ الرسالةِ، ووريثةُ المجدِ الذي علّمَ الإنسانيةِ معنى الكرامة…
كانَتِ القيودُ في الأيدي، لكنَّ الأرواحَ كانت أعلى من أن تطالها القيودُ، وكانَتِ الحبالُ تحيطُ بالأجسادِ، لكنَّ العزةَ التي سكنَتِ القلوبَ بقيَتْ عصيةً على الانكسارِ، لقد أرادوا أن يسوقوا الأسرى إلى الشام أذلاءَ، غيرَ أنَّهم كانوا يسوقونَ قمماً من الكبرياءِ، وجبالاً من الصبرِ، ونجوماً من النورِ لا تعرفُ للأفولِ طريقاً، كانَ الطريقُ طويلًا، لكنَّ الحزنَ كانَ أطولَ، وكانَ الغبارُ يعلو الوجوهَ، لكنَّهُ لم يستطع أن يحجبَ إشراقةَ النبوةِ المتلألئةِ في الملامحِ، وكلما تقدّمَتِ القافلةُ خطوةً، كانَتِ الفاجعةُ تكبرُ في العيونِ… أطفالٌ أنهكَتهم المصائبُ، ونساءٌ أثقلَتْهن الفواجعُ، ورؤوسُ الشهداءِ تسبقُهم على الرماحِ، كأنَّ الألمَ قد قررَ أن يكشفَ للزمانِ أقسى وجوهِهِ…
وفي قلبِ هذا المشهدِ كانت السيدة زينب (عليها السلام) تمشي وبينَ أضلاعها كربلاءُ كاملةٌ، تمشي وتحملُ صوتَ الحسين، وأنينَ السجاد، ودموعَ رقية، وآهاتِ اليتامى الذين أفاقوا على عالمٍ خالٍ من الآباءِ…
لم تكن أسيرةً بالمعنى الذي أرادَهُ الطغاةُ، فالأسيرُ من تقيّدَتْ إرادتُهُ، أما هي فقد ظلَّتْ حرّةً حتى وهي محاطةٌ بالسياطِ، والأسيرُ من يُسلبُ صوتُهُ، أما هي فقد جعلَتْ من مجلسِ الطغيانِ منبراً للحقِّ، ومن القيودِ أجنحةً حلّقَتْ بها فوقَ عروش الجبابرةِ…
يا للعجب! كيفَ ظنوا أن الحبالَ قادرةٌ على أن تنقصَ من قدرِ امرأةٍ تربَّتْ في مدرسةِ عليٍّ، ونهلَتْ من طهرِ فاطمة، واستظلَّتْ بعظمةِ الحسن والحسين؟
كانَتِ القيودُ على المعاصمِ، لكنّ الكبرياءَ كانَ يملأ الآفاقَ، وكانَ الأسرُ يحيطُ بالمشهدِ، لكنّ الحريةَ كانت تسيرُ في قلبِ زينب، لذلك بقيَ السؤالُ أكبرَ من الجوابِ:
ومثل زينب كيف تُسبى؟
كيفَ تُسبى امرأةٌ كانَتْ من شدةِ عظمتها تحوّلُ الهزيمةَ الظاهرةَ إلى انتصارٍ خالدٍ، وتحيلُ الدموعَ إلى رسالةٍ، والمصيبةَ إلى وعي، والألمَ إلى نورٍ لا ينطفئ؟
لقد دخلَتِ الشامَ أسيرةً في أعينِ الناسِ، لكنَّها دخلَتْ لسجلِّ الزمانِ سيدةً، وساقها الأشقياءُ في الطرقاتِ، غير أنَّ الأيامَ هي التي ساقَتْ أسماءهم إلى مزابلِ النسيانِ، بينما بقيَ اسمُ زينب يتوهّجُ في ذاكرةِ الأحرارِ كنجمةٍ لا تغيبُ.
سلامٌ على تلك الهيبةِ التي لم تكسرها السلاسلُ، وسلامٌ على ذلك الكبرياءِ الذي لم تنل منه المحنُ، وسلامٌ على زينب يومَ أرادوا لها الأسرَ، فصارَتْ رمزَ الحريةِ الخالدةِ.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
الريفُ العراقيّ .. إضطهادٌ مستمرّ
شباب المواكب الحسينية
بعض العلم يقتنص أفراحنا
EN