كرنفالُ الحزنِ بينَ الأرضِ والسماءِ (17)
بقلم: أحمد السراي
على طريقِ السبي…
كانت السيدة زينب (عليها السلام) تمشي وتبكي السماءُ...
أيا حادي الركبِ، تمهّل… فإنَّ خلفَ هذه الهوادجِ قلوباً لم تفرغْ بعدُ من وداعها الأخيرِ، وعيوناً ما زالَتْ معلقةً عندَ رمضاءِ كربلاء، حيثُ تُركَتِ الأجسادُ الطاهرةُ نهباً للشمسِ والريحِ، وحيثُ ما زالَ الترابُ يحتفظُ بحرارةِ الدمِ الحسيني... وكأنَّ الفاجعةَ وقعَتْ لتوِّها...
تمهّل...
فإنَّ في الركبِ زينب، وزينب ليست امرأةً أثقلَتها المصيبةُ فحسب، بل سيرةٌ كاملةٌ من الأحزانِ تمشي على قدمينِ، في صدرها ضجيجُ الطفوفِ، وفي عينيها آخرُ صورةٍ لأخٍ ودّعَ الدُّنيا وهو يحدّقُ في السماءِ، كأنّهُ يسلّمُ الأمانة لله (تعالى) قبلَ أن تسكنَهُ السيوفُ، كيفَ تمضي القافلةُ مسرعةً، وهذه السيدةُ ما زالَتْ تسمعُ صهيلَ الجيادِ فوقَ الصدورِ، وارتطامَ السهامِ بالأجسادِ، ونداءَ العطاشى الذين لم يجدوا من الفراتِ سوى اسمه؟
كيفَ يستعجلُ السيرَ، وبينَ الركابِ بناتُ الوحي اللّواتي خرجنَ من مدينةِ الجدِّ مكرّماتٍ، فإذا بهنّ يدخلنَ مدنَ الغربةِ مثقلاتٍ بأوجاعٍ لو وُزّعتْ على الجبالِ لتصدّعَتْ...
لقد انطفأتْ في كربلاء أقمارٌ لم تكن تشبهُ سائرَ الأقمارِ، وسقطَتْ نجومٌ كانَتْ تهدي الضالّينَ إلى طريقِ الحقِّ، هناك هوى العباسُ (عليه السلام) كالنخلةِ الشامخةِ، وتبعثرَ القاسمُ (عليه السلام) بينَ السيوفِ كزهرةٍ داستها الخيولُ، وسقطَ علي الأكبر فبكَتْ عليه ملامحُ الرسولِ، ثم انكفأ الحسين على الثرى وحيداً، فارتجفَتِ الأرضُ تحتَ جسدِهِ الطاهرِ، كأنَّ الوجودَ كلّهُ قد أُصيبَ في قلبِهِ، ومنذُ تلك اللحظةِ، لم تعُدْ زينب تحملُ نفسها فقط، بل حملَتِ الرسالةَ كلها، حملَتْ دموعَ اليتامى، وأنينَ الثكالى، وأسرارَ الدماءِ التي أُريقَتْ لتبقى السماءُ شاهدةً على جريمةِ الأرضِ…
كانَتْ تمشي والجراحُ تسبقها، لكنَّها لم تنحنِ، وكانَ الحزنُ يطوّقها من كلِّ جهةٍ، لكنّهُ لم يستطعْ أن يطفئ في روحها قبسَ النبوةِ، كانَتْ تنظرُ إلى الرأسِ الشريفِ مرفوعاً على الرمحِ، فيرتفعُ معها وجعُ الكونِ…
أيُّ قلبٍ يستطيعُ احتمالَ هذا المشهدِ؟
وأيُّ روحٍ يمكنها أن تبقى متماسكةً وهي ترى رأسَ أخيها، سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يتنقلُ بينَ الرماحِ والأسنّة؟
لكن زينب (عليها السلام) كانَتْ أكبرَ من الألمِ، كانَتْ كلما أوشكَتِ المصيبةُ أن تسقطها، أمسكها اليقينُ، وكلما حاولَتِ الفاجعةُ أن تطفئ صوتها، أشعلَتْ من رمادِ الأحزانِ منبراً جديداً للحقيقةِ...
لم تكن تصرخُ لأنَّ الصراخَ أضيقُ من حجمِ مصابها، ولم تكن تشكو للناسِ لأنَّ جرحها أعمقُ من أن تحتويَهُ الآذانُ، كانَتْ ترفعُ أنينها إلى الله عز وجل وحدَهُ، إلى الواحدِ القهارِ الذي رأى الدمَ حين سُفكَ، وسمعَ الطفلَ حين استغاثَ، وشهدَ القلبَ الحسيني وهو يُمزّقُ بينَ السيوفِ والحرابِ...
ولهذا ظلَّتْ شامخةً… فبِنْتُ عليٍّ لم تتعلّمْ من أبيها إلا الشموخ، وبنتُ فاطمة لم ترث من أمها إلّا الكبرياءَ المقدسَ، وبنتُ الرسالةِ كانَتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ الذي يبدأُ بالدمِ لا بد أن ينتهيَ بالنورِ…
وهكذا مضى الركبُ بعيداً عن كربلاء، لكنّ كربلاءَ لم تغادرْهُ، كانَتْ تسيرُ معهم في العيونِ الدامعةِ، وفي القلوبِ المحترقةِ، وفي الذكرياتِ التي تشتعلُ كلما هبَّتْ نسمةٌ من جهةِ الطفِّ...
وكانت زينب تمضي بينَ السبايا، لا كمن أُخذَ أسيراً، بل كمن يقودُ الواقعةَ إلى وجهتها الأخيرةِ، فإذا كانَ الحسين (عليه السلام) قد كتبَ بدمِهِ ملحمةَ الخلود، فإنَّ زينب (سلام الله عليها) كتبَتْ بدموعها وصبرها الفصلَ الذي أبقى تلك الملحمةَ حيةً في ضميرِ الزمنِ…
ومنذُ ذلك اليومِ، لم يعُد طريقُ السبي مجرّدَ طريقٍ، بل صارَ نهراً من الدموعِ، وجسراً من الصبرِ، ومنارةً تهتدي بها الأرواحُ كلما أظلمَتْ دروبُ الحقِّ…
سلامٌ على زينب يومَ حملَتْ كربلاء في قلبها وسارَتْ، ويومَ ضاقَ بها الوجعُ فاتّسعتْ لها السماءُ، ويومَ تحوّلَ صبرها إلى لغةٍ خالدةٍ يقرأها الأحرارُ جيلاً بعدَ جيلٍ.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
تسييس الدراما
العيد في زمن كورونا
الموت من أجل الولادة
EN