كرنفالُ الحزنِ بين السماءِ والأرضِ (16)
بقلم: أحمد السراي
صورةُ الحقِّ حينَ يُذبحُ...
إذا أقبلَ العاشرُ من محرّمٍ، أقبلَ معَهُ وجعٌ ليسَ كسائرِ الأوجاعِ، كأنَّ الزمانَ يخلعُ أثوابَ أعوامِهِ ليعودَ مثقلاً إلى يومٍ ما برحَتْ جراحُهُ تنزفُ في ضميرِ الوجودِ...
يومٌ تكسّرَتْ فيه المآذنُ على حدِّ السيوفِ، وارتجفَتْ له السماواتُ والأرضونَ، وتفرّقَتْ على رمضاءِ الطفِّ شظايا النبوةِ وعبقُ الرسالةِ، حيث استحالَ الثرى محراباً للفداءِ، وقفَ الحسين (عليه السلام) وحيداً إلّا من الله (تعالى)، يحملُ على عاتقِهِ إرثَ الأنبياءِ جميعاً، ويدافعُ بقلبِهِ قبلَ سيفِهِ عن آخر ما تبقّى من نقاءِ الرسالةِ، كانَتِ الجموعُ تحيطُ به كما تحيطُ العواصفُ بشجرةٍ مباركةٍ أبَتْ أن تنحني، فيما كانَ هو يزدادُ شموخاً كلما ازدادَ الموتُ اقترابا...
ويا لعظمةِ المصيبةِ!
فلم تكن كربلاء مصرعَ رجالٍ وحسب، بل كانَتْ مذبحاً للفضائلِ، ومأتماً للحقائقِ الكبرى، ففي كلِّ شهيدٍ سقطَ، كانَتْ تنطفئ نجمةٌ من سماءِ آل محمد، وفي كلِّ جسدٍ افترشَ الرمالَ، كانَتِ الإنسانيّةُ تفقدُ صفحةً من أنقى صفحاتها...
ثم أقبلَ عليٌّ الأكبر، كأنَّ رسولَ الله قد عادَ في شبابِهِ وهيبتِهِ ومنطقِهِ وسمتِهِ، يمشي بينَ الخيامِ نوراً متجسداً، فكانتِ العيونُ إذا وقعَ نظرها عليه تراءى لها وجهُ الجدّ المصطفى، وكانَتِ القلوبُ إذا أصغَتْ إلى حديثِهِ خُيِّل إليها أن صدى النبوةِ ما زالَ يتردّدُ في جنباتِ الأرضِ، لكنّ القومَ لم يروا فيه تلك الملامحَ المقدسةَ، ولم يقرؤوا على محيّاه آياتِ الرسالةِ، بل أعملوا فيه سيوفهم حتى هوى إلى الثرى مضرجاً بدمِهِ، وعندها لم يسقطْ شابٌّ من بني هاشمٍ فحسب، بل انكسرَ في قلبِ الحسين ركنٌ من أركانِ الحياةِ، وارتفعَ إلى السماءِ أنينٌ لو وُزِّعَ على الدهورِ لأثقلها…
غيرَ أنَّ الفاجعةَ كانَتْ تخبّئ ما هو أوجعُ، فثمةَ مشهدٌ إذا ذكرَ خجلَتِ الكلماتُ من نفسها، وانكمشَتِ البلاغةُ أمامَ هولِهِ، وتضاءلَتِ العباراتُ مهما بلغَتْ من الفصاحةِ والبيانِ…
رضيعٌ...
غصنٌ غضٌّ من دوحةِ النبوةِ، ونسمةٌ لم تزل تتعلّمُ لغتها الأولى في الحياةِ، لم يعرفْ من الدُّنيا إلا دفءَ المهدِ وحنانَ الذراعين، كانَ العطشُ قد أضنى جسدَهُ الصغيرَ، فأخذَهُ أبوه نحو القومِ لا شاهراً سيفاً ولا طالباً نصراً، بل مُثيراً إنسانيةً ضاعَتْ من القلوبِ، لكنَّ القسوةَ إذا استوطنَتْ روحاً أجدبَتْ فيها ينابيعُ الرحمةِ، فانطلقَ السهمُ لا نحو مقاتلٍ يحملُ رايةَ الحربِ، ولا نحو فارسٍ يصولُ في الميدانِ، بل نحو نحرٍ صغيرٍ ما عرفَ إلّا البراءةَ، فيا لهولِ المنظرِ…
كيف اجترأتْ يدٌ أن تكتبَ بحدِّ السهمِ تلك الصفحةَ السوداءَ؟
وكيفَ استطاعَ قلبٌ أن يرى طفلاً يتلوّى من الظمأ ثم يجيبُهُ بالموتِ؟
عندها لم يكن الذي نزفَ دماً رضيعاً وحسب، بل نزفَتْ معه الإنسانيّةُ كلها. وانفتحَ في ضميرِ الزمنِ جرحٌ لا يندملُ، وبقيَ ذلك النحرُ الطاهرُ شاهداً على أنَّ الظلمَ إذا بلغَ غايته لم يفرّقْ بين شيخٍ وطفلٍ، ولا بينَ حاملِ سيفٍ وحاملِ براءةٍ…
ومع ذلك لم تنتصرِ السهامُ، فالدمُ الذي أُريقَ هناك لم ينحدرْ إلى الترابِ، بل ارتفعَ إلى الخلودِ. وتحوّلتْ تلك الأجسادُ الطاهرةُ إلى آياتٍ تُتلى على مرِّ العصورِ، وتحوّلَتِ الدموعُ التي جرَتْ على الخدودِ إلى أنهارٍ من الوعي، وتحوّلَتْ كربلاء من واقعةٍ إلى نبضٍ خالدٍ في وجدانِ الأحرارِ…
لهذا لا يبكي المؤمن الحسين لأن الحسين قُتل فحسب، بل لأنّهُ يرى في مصابِهِ صورةَ الحقِّ حين يُذبحُ، وصورةَ الفضيلةِ حين تحاصرُ، وصورةَ الرحمةِ حين ترمى بسهمِ الغدرِ…
ويبقى الطفُّ، بعد أربعة عشر قرناً، واقفاً على تخومِ الزمنِ كفجرٍ لا يغيبُ، تنبعثُ من رمالِهِ رائحةُ الدمِ الزكي، ويعلو من جنباتِهِ نداءُ الخلودِ، شاهداً على أنَّ ما كانَ لله لا تمحوه السنون، وأنَّ الدمَ إذا امتزجَ بالعقيدةِ صارً نوراً، وإذا اقترنَ بالحقِّ صارَ حياةً لا تعرفُ الأفولَ.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
هل كذب الفرزدق؟
جاهزية الاستعداد لشهر رمضان
EN