عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل جلاله "خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ" (القمر 7) "خاشعا" أي ذليلا، وفي قراءة خُشَّعا بضم الخاء وفتح الشين مشددة "أبصارهم" حال من الفاعل، "يخرجون" أي الناس "من الأجداث" القبور "كأنهم جراد منتشر" لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة، والجملة حال من فاعل يخرجون وكذا قوله.
جاء في معاني القرآن الكريم: جرد الجراد معروف، قال تعالى: "فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل" (الاعراف 133)، وقال: "كأنهم جراد منتشر" (القمر 7)، فيجوز أن يجعل أصلا فيشتق من فعله: جرد الأرض، ويصح أن يقال: إنما سمي لجرده الأرض من النبات، يقال: أرض مجرودة، أي: أكل ما عليها حتى تجردت. وفرس أجرد: منحسر الشعر، وثوب جرد: خلق، وذلك لزوال وبره وقوته، وتجرد عن الثوب، وجردته عنه، وامرأة حسنة المتجرد. وروي: (جردوا القرآن) (هذا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). أخرجه ابن أبي شيبة 6/150. وعن كلمة العثو: عُثوّ: اسم مصدر عثَا. عَثيَ: فعل عَثِيَ عُثُوًّا، وعُثِيًّا، وعَثَيَانًا. عَثِيَ: عثا. عثِي الظَّالمُ:عثَا، أفسد أشدَّ الإفساد وبالغ في ظلمه وتكبّره وكفره "كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (البقرة 60). عَاثَ فِي الْبِلاَدِ فَسَاداً: خَرَّبَ، أَتْلَفَ، نَشَرَ الْفَسَادَ إِنَّهُمْ يَعِيثُونَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً. أفسد، أكثر من فعْل الشَّرِّ. عاث الذِّئبُ في الغنم: ضربها وآذاها، افترسها. عَاثَ الْجَرَادُ فِي الْحُقُولِ: أَفْسَدَهَا وَأَتْلَفَهَا.
عن تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي: قوله تعالى "خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ" (القمر 7) الخشع جمع خاشع والخشوع نوع من الذلة ونسب إلى الأبصار لأن ظهوره فيها أتم. والأجداث جمع جدث وهو القبر، والجراد حيوان معروف، وتشبيههم في الخروج من القبور بالجراد المنتشر من حيث إن الجراد في انتشاره يدخل البعض منه في البعض ويختلط البعض بالبعض في جهات مختلفة فكذلك هؤلاء في خروجهم من القبور،قال تعالى "يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ" (المعارج 44). وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه قال: الصلاة عمود الدين، ودلالة القرآن الكريم في آيات كثيرة جدا على الاهتمام بأمر الصلاة بما لا مزيد عليه مما لا يتطرق إليه شك وفيها مثل قوله تعالى "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُون" (المؤمنون 1-2). قوله تعالى "يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً" (طه 108) نفي العوج إن كان متعلقا بالاتباع بأن يكون"لا عِوَجَ لَهُ" (طه 108) حالا عن ضمير الجمع وعامله يتبعون ـ فمعناه أن ليس لهم إذا دعوا إلا الاتباع محضا من غير أي توقف أو استنكاف أو تثبط أو مساهلة فيه لأن ذلك كله فرع القدرة والاستطاعة أو توهم الإنسان ذلك لنفسه وهم يعاينون اليوم أن الملك والقدرة لله سبحانه لا شريك له قال تعالى "لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ" (المؤمنون 16)، وقال"وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً" (البقرة 165). وإن كان متعلقا بالداعي كان معناه أن الداعي لا يدع أحدا إلا دعاه من غير أن يهمل أحدا بسهو أو نسيان أو مساهلة في الدعوة. لكن تعقيب الجملة بقوله"وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ" (طه 108) إلخ يناسب المعنى الأول فإن ارتفاع الأصوات عند الدعوة والإحضار إنما يكون للتمرد والاستكبار عن الطاعة والاتباع. وقوله"وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً" (طه 108) قال الراغب: الهمس الصوت الخفي وهمس الأقدام أخفى ما يكون من صوتها قال تعالى "فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً" (طه 108). انتهى. والخطاب في قوله"فَلا تَسْمَعُ" (طه 108) للنبي صلى الله عليه وآله والمراد كل سامع يسمع والمعنى وانخفضت الأصوات لاستغراقهم في المذلة والمسكنة لله فلا يسمع السامع إلا صوتا خفيا. قال تعالى "يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ" (القلم 43) فعدم استطاعتهم للسجود ليس إلا لرسوخ ملكة الاستكبار في نفوسهم، ولو كان بمنع جديد من جانبه تعالى لكانت الحجة لهم عليه. قوله تعالى "وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ" (الاحزاب 35) الخشوع تذلل باطني بالقلب كما أن الخضوع تذلل ظاهري بالجوارح.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله "خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ" ﴿القمر 7﴾ نسبة (الخشوع) هنا للأبصار لأنّ المشهد مرعب ومخيف إلى حدّ لا تستطيع الأنظار رؤيته، لذلك فإنّها تتحوّل عنه وتطرّق نحو الأسفل. والتشبيه هنا بـ (الجراد المنتشر) لأنّ النشور في يوم الحشر يكون بصورة غير منتظمة لحالة الهول التي تعتري الناس فيه، كما هي حركة إنتشار الجراد التي تتمثّل فيها الفوضى والإضطراب خلافاً للقسم الأكبر من حركة الطيور التي تطير وفق نظم خاصّة في الجو، مضافاً إلى أنّهم كالجراد من حيث الضعف وعدم القدرة. نعم، إنّ حالة هؤلاء الفاقدين للعلم والبصيرة، حالة ذهول ووحشة وتخبّط في المسير كالسكارى يرتطم بعضهم ببعض فاقدين للوعي والإرادة كما في قوله تعالى: "وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى" (الحج 2). والحقيقة أنّ هذا التشبيه هوما ورد أيضاً في الآية (4) من سورة القارعة حيث يقول سبحانه: " يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ" (القارعة 4). قوله سبحانه "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ" ﴿الأعراف 133﴾ سلط الجراد على زروعهم وأشجارهم (والجراد). وقد جاء في الأحاديث أن هجوم أسراب الجراد كان عظيما جدّا إلى درجة أنّها وقعت في أشجارهم وزروعهم أكلا وقضما وإتلافا، حتى أنّها أفرغتها من جميع الغصون والأوراق، وحتى أنّها أخذت تؤذي أبدانهم، بحيث تعالت صيحاتهم واستغاثاتهم. وكلّما كان يصيبهم بلاء كانوا يلجأون إلى موسى عليه السلام ويسألونه أن يطلب من الله أن يرفع عنهم ذلك البلاء، فقد فعلوا هذا بعد الطوفان والجراد أيضا، وقبل موسى عليه السلام، وارتفع عنهم البلاء ولكنّهم مع ذلك لم يكفّوا عن لجاجهم وتعنتهم.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
مؤامرة أم "نظرية المؤامرة"
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
من أدب الدفاع المقدس.. ( لا تكتملُ البهجة إلا بحزن )
EN