جاء في كتاب الأنموذج في منهج الحكومة الإسلامية القائمة على أساس الحاكمية لله تعالى للمرجع الشيخ محمد اسحاق الفياض: تمايز الحكومة الإسلامية عن الحكومة غير الإسلامية الحكومة الإسلامية الشرعية هي الحكومة القائمة على أساس مبدأ الحاكمية لله وحده لا شريك له، و السلطة الحاكمة فيها تتمثل في ولي أمر المسلمين و هو منصوب من قبل الله تعالى في زمن الحضور و الغيبة معاً. أما في زمن الحضور فإنه منصوب بالتنصيص بالاسم و الشخص و الصفات. و أما في زمن الغيبة فإنه منصوب بالتنصيص بالصفات فقط كصفة الفقاهة التي هي متمثلة بالفقيه الجامع للشرائط منها الأعلمية. ثمّ أن ثبوت الولاية و الزعامة الدينية للنبي الأكرم (ص) و الأئمة الأطهار عليه السلام واضح و لا كلام و لا إشكال فيه لأن القدر المتيقن من قوله تعالى في الآية المباركة: "وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" (النساء 59) هو الأئمة الأطهار عليه السلام هذا مضافاً إلى الروايات الدالة على ذلك. و إنما الكلام و الإشكال في ثبوت الولاية و الزعامة الدينية للفقيه الجامع للشرائط و لا يمكن إثبات هذه الولاية بالنص لأن الروايات التي استدل بها على ثبوت الولاية للفقيه باجمعها ضعيفة من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليها و من هنا فالمشهور بين الفقهاء عدم ثبوت الولاية للفقيه هذا. و لكن الصحيح ثبوت هذه الولاية له و هو لا يحتاج إلى دليل خارجي لأن امتداد الشريعة المقدسة و خلودها يتطلب امتداد الولاية و الزعامة الدينية المتمثلة في زمن الحضور برسالة الرسول الأكرم (ص) و بعده بإمامة الأئمة الأطهار عليه السلام، و في زمن الغيبة بفقاهة الفقيه الجامع للشرائط منها الاعلمية إذ لا يمكن افتراض امتداد الشريعة و خلودها بدون افتراض امتداد الولاية و الزعامة الدينية، ضرورة أن الشريعة في كل عصر بحاجة إلى التطبيق و التنفيذ و إجراء الحدود و الحفاظ على الحقوق و الاهتمام بمبدإ العدالة و التوازن بين طبقات الأمة.
وعن عدالة دين الاسلام: فلأن الدين الإسلامي دين سلم و عدل و إنسانية و رأفة و رحمة و ضد التطرف و الإرهاب بكل أشكاله و أنواعه و أنه دين يستنكر قتل الأبرياء بأشد الاستنكار حيث جعله أكبر جريمة في تاريخ البشرية بنص قوله تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً" (المائدة 32) فالإسلام جعل قتل نفس واحدة بريئة بمثابة قتل الناس جميعاً و هو أكبر جريمة في عالم الإنسانية كما أنه جعل إحياء نفس واحدة بمثابة إحياء الناس جميعاً و هو أكبر خدمة في عالم البشرية، بل الإسلام قد حرّم مثلة جسد الإنسان حتى في ساحة الحرب مع العدو، و هذا هو الإسلام. فلأن الدين الإسلامي ليس ضد حقوق الإنسان كيف فان الإسلام قد أهتم بالحفاظ عليها و عدم جواز تفويتها و جعل الغرامة عليها لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية بين طبقات الأمة و التوازن و لا يمكن تحقيق ذلك إلا بالحفاظ على حقوق الجميع على حد سواء من دون أي تمييز بين فرد و فرد آخر هذا من جانب، و من جانب آخر أنه لا يمكن من منظور الإسلام أن يذهب حق أحد هدراً بل الأمر كذلك من منظور العقلاء أيضاً. و من هنا يرى الإسلام المعادلة بالمثل في الحقوق بين الناس و في الجراحات: "النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ" (المائدة 45) و أشار تعالى إلى حكمة هذه المعادلة بقوله عز و جل "وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ" (البقرة 179) و في الأموال المعادلة بالمثل أو القيمة. و من هنا لو فرض أن شخصاً قام بقلع عين شخص آخر عدوانا و ظلماً و انتهاكاً لحرمته و سلب عنه هذا الحق فقد جعل الله تعالى للمظلوم حق الاقتصاص من الظالم بأن يقوم بقلع عينه و سلب هذا الحق عنه لسببين: الأول/ إن حق الظالم ليس أولى من حق المظلوم فإذا لم ير الظالم هذا الحق للمظلوم و سلب حقه و انتهك حرمته فقد جعل الله تعالى للمظلوم سلطانا عليه بأن يقوم بالاقتصاص منه بالمقدار الذي ظلمه في حقه لا أكثر و هو مقتضى العدل و الإنصاف و المعادلة بالمثل كما في الآية الكريمة. الثاني/ إن في ذلك عبرة للظالم و للآخرين معاً بعدم التعدي على حقوق الآخرين و لهذا للقصاص أثر كبير في حفظ التوازن و العدالة الاجتماعية، و لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان على الظالم بدعوى أنه لا يجوز الاقتصاص منه لأنه ينافي حقه في بقاء عينه سالمة و ذلك: أولًا: إن معنى هذا هو ذهاب حق المظلوم هدراً و هو لا يجوز لا شرعاً و لا عقلًا و لا عقلائياً.
ويستطرد الشيخ الفياض قدس سره قائلا: و ثانياً: إن تطبيق المنهج الغربي الجديد لحقوق الإنسان على الظالم مكافئة له في مقابل ظلمه و عدوانه و تشويق له فيه و للآخرين معاً، و ترويج للظلم و الطغيان و من الواضح إن ذلك مؤثر في عدم استقرار البلد و الأمن و هذا معنى قوله تعالى: "وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ" (البقرة 179). مثلا للإنسان حق البقاء في الحياة و ليس لأحد أن يسلب عنه هذا الحق ظلماً و عدواناً و أما إذا سلبه عنه فقد جعل الله تعالى لوليه سلطاناً عليه بأن يقتص منه، لأن هذا هو مقتضى العدل و الإنصاف، و مقتضى قوله تعالى: "النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ" (المائدة 45) فمن قتل أحداً ظلماً و جوراً فقد أضاع و هدر حقه في البقاء على قيد الحياة إذ من لم ير هذا الحق للآخر لم يكن هذا الحق ثابتاً له أيضاً و لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان على القاتل دون المقتول لأنه مخالف للنظرة الإسلامية و العقلائية معاً و مكافأة له في مقابل ظلمه و عدوانه و تشويقاً له و للآخرين على ذلك مع أن في إجراء القصاص عليه عبرة للناس و تحقيقاً للعدالة و التوازن في الحقوق و الأمن في البلد لأن دم الإنسان لا يذهب هدراً و قد أعترف بذلك كقانون عام في أكثر دول العالم و سيقر العالم بقانون القصاص في المستقبل القريب إذ من يؤيد هذا القانون و يطلب من حكومته تشريعه في ازدياد مستمر.
وعن اطاعة السلطة الحاكمة: إن إطاعة السلطة الحاكمة في الحكومة الشرعية واجبة على الناس بعنوان ثانوي بمقتضى قوله تعالى "أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" (النساء 59) و على هذا فحيث أن الموظفين في هذه الحكومة مأمورين بالعمل بوظائفهم من قبل السلطة الحاكمة و هي ولي الأمر، فيجب عليهم العمل بها. إضافة إلى الرقابة الموجودة من قبل السلطة الحاكمة على جميع شرائح الحكومة الشرعية. و غير خفي أنه لا يتوفر شيء من هذه العوامل في الحكومات غير الشرعية. و هذه هي المميزات الأساسية للحكومة الشرعية عن الحكومات غير الشرعية. و من الطبيعي أن تلك المميزات تدفع البلد إلى التطور و النمو اقتصاديا و تعليميا و تقنيا و أمنيا و إداريا و هكذا و إن لها دورا بارزا في تحقيق مبدأ التوازن و العدالة الاجتماعية بين طبقات الأمة و رص الصفوف و توحيد الكلمة و تكوين المجتمع المتلاحم الآمن المتحد الذي لا إفراط فيه و لا تفريط و لا يخاف أحد فيه على نفسه و لا على عرضه و لا على ماله.







محمد عبد السلام
منذ ساعتين
السجن والسجين والسجان
هي المواكب إن كنتَ تجهلها ..
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
EN