جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" ﴿البقرة 23﴾ إذا عرفت ما مرّ علمت أن استناد وضع اللغة إلى الإِنسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإِنسان الواضع له، وليس ذلك إلاَّ كالقول بأن القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع ممن يستعملها وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون أمهر من يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى ممن يضرب بها. فقد تبيّن من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعنى ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي يحكيه الصورة الذهنية. أما اللفظ فأن يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقاً للترتيب الذي بين أجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإِعجاز. وأما المعنى فأن يكون في صحته وصدقه معتمداً على الخارج الواقع بحيث لا يزول عمّا هو عليه من الحقيقة، وهذه المرتبة هي التي يتكي عليها المرتبة السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد، وكم من كلام بليغ مبني على الجهالة لكنه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الأسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو أرقى الكلام.
وإذا كان الكلام قائماً على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذّب الحقائق الأُخر ولم تكذبه، فإن الحق مؤتلف الأجزاء ومتحد الأركان، لا يبطل حق حقاً، ولا يكذب صدق صدقاً، والباطل هو الذي ينافي الباطل وينافي الحق، انظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى "فماذا بعد الحق إلاَّ الضلال" (يونس 32)، فقد جعل الحق واحداً لا تفرق فيه ولا تشتت، وانظر إلى قوله تعالى "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم" (الأنعام 135)، فقد جعل الباطل متشتتّاً ومشتتاً ومتفرقاً ومفرقاً. وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين أجزاء الحق اختلاف بل نهاية الائتلاف، يجر بعضه إلى بعض، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض. وهذا من عجيب أمر القرآن، فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا تعقم عن الانتاج، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق، ثم الآية الثالثة تصدقها وتشهد بها، هذا شأنه وخاصته، وسترى في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذاً من ذلك، على أن الطريق متروك غير مسلوك ولو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة. فقد اتضح بطلان الاشكال من الجهتين جميعاً فإن أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتى يقال إن الإِنسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على أبلغ الكلام وأفصحه وهو واضح، أو يقال إن أبلغ التركيبات المتصورة تركيب واحد من بينها، فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعددة مختلفة السياق والجميع فائقة قدرة البشر بالغ حد الإِعجاز بل المدار هو المعنى المحافظ لجميع جهات الذهن والخارج.
(معنى الآية المعجزة في القرآن وما يفسر به حقيقتها) ولا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحققها بمعنى الأمر الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل. وما تمحّله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالة على ذلك توفيقاً بينها وبين ما يترائى من ظواهر الأبحاث الطبيعية "العلمية" اليوم تكلف مردود إليه. والذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة وإعطاء حقيقته نذكره في فصول من الكلام. 1 - تصديق القرآن لقانون العلية العامة: إن القرآن يثبت للحوادث الطبيعية أسباباً ويصدق قانون العلية العامة كما يثبته ضرورة العقل وتعتمد عليه الأبحاث العلمية والأنظار الاستدلالية، فإن الإِنسان مفطور على أن يعتقد لكل حادث مادي علة موجبة من غير تردد وإرتياب. وكذلك العلوم الطبيعية وساير الأبحاث العلمية تعلل الحوادث والأمور المربوطة بما تجده من أمور أُخرى صالحة للتعليل، ولا نعني بالعلة إلاَّ أن يكون هناك أمر واحد أو مجموع أمور إذا تحققت في الطبيعة مثلاً تحقق عندها أمر آخر نسميه المعلول بحكم التجارب، كدلالة التجربة على أنه كلما تحقق احتراق لزم أن يتحقق هناك قبله علة موجبة له من نار أو حركة أو اصطكاك أو نحو ذلك، ومن هنا كانت الكلية وعدم التخلف من أحكام العلية والمعلولية ولوازمهما. وتصديق هذا المعنى ظاهر من القرآن فيما جرى عليه وتكلم فيه من موت وحياة ورزق وحوادث أُخرى علوية سماوية أو سفلية أرضية على أظهر وجه، وإن كان يسندها جميعاً بالآخرة إلى الله سبحانه لفرض التوحيد. فالقرآن يحكم بصحة قانون العلية العامة، بمعنى أن سبباً من الأسباب إذا تحقق مع ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه مترتباً عليه بإذن الله سبحانه وإذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة.







حسن الهاشمي
منذ ساعتين
لبيك يا حسين
السجن والسجين والسجان
في ذكرى سقوطه
EN