قال ابن أبي
الحديد في موضع آخر : قال شيخنا أبو عثمان : حدثني ثمامة قال : سمعت جعفر بن يحيى
ـ وكان من أبلغ الناس وأفصحهم للقول والكتابة بضم اللفظة إلى اختها ـ : ألم تسمعوا
قول شاعر لشاعر وقد تفاخرا : أنا أشعر منك لأني أقول البيت وأخاه ، وأنت تقول
البيت وابن عمه! ثم قال : وناهيك حسنا بقول علي بن أبي طالب عليه السلام : « هل
من مناص أو خلاص؟ أو معاذ أو ملاذ؟ أو قرار أو محار؟ » قال أبو عثمان : وكان جعفر
يتعجب أيضا بقول علي عليه السلام : « أين من جد واجتهد ، وجمع واحتشد وبني فشيد ،
وفرش فمهد ، وزخرف فنجد؟ » قال : ألا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينها جاذبة
إياها إلى نفسها دالة عليها بذاتها؟ قال أبو عثمان : فكان جعفر يسميه فصيح قريش.
واعلم أننا لا يتخالجنا الشك في أنه أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الاولين
والآخرين إلا ما كان من كلام الله سبحانه وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله
وذلك لان فضيلة الخطيب أو الكاتب في خطابته وكتابته يعتمد على أمرين هما مفردات
الالفاظ ومركباتها ، أما المفردات فأن تكون سهلة سلسلة غير وحشية ولا معقدة ،
وألفاظه عليه السلام كلها كذلك ، وأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى
الافهام واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض ، وتلك الصفات
هي الصناعة التي سماها المتأخرون البديع ، من المقابلة والمطابقة وحسن التقسيم ،
ورد آخر الكلام على صدره ، والترصيع والتسهيم والتوشيح والمماثلة والاستعارة ،
ولطافة استعمال المجاز والموازنة والتكافؤ والتسميط والمشاكلة ، ولا شبهة أن هذه
الصفات كلها موجودة في خطبه كتبه ، مبثوثة متفرقة في فرش كلامه عليه السلام وليس
يوجد هذان الامران في كلام لاحد غيره فان كان قد تعملها وأفكر فيها وأعمل رويته في
وضعها ونثرها فلقد أتى بالعجب العجائب ، ووجب أن يكون إمام الناس كلهم في ذلك لأنه
ابتكره ولم يعرف من قبله. وإن كان اقتضبها ابتداء ، وفاضت عليها لسانه مرتجلة وجاش
بها طبعه بديهة من غير روية ولا اعتمال فأعجب ، وأعجب على كلا الامرين ، فلقد جاء
مجليا والفصحاء ينقطع أنفاسهم على أثره ، ويحق ما قال معاوية لمحقن الضبي لما قال
له : « جئتك من عند أعيى الناس » : يا ابن اللخناء لعلي تقول هذا؟ وهل سن الفصاحة
لقريش غيره؟ واعلم أن تكلف الاستدلال على أن الشمس مضيئة يتعب ، وصاحبه منسوب إلى
السفه ، وليس جاحد الأمور المعلومة علما ضروريا بأشد سفها ممن رام الاستدلال بالأدلة
النظرية عليها.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 383 ]
تاريخ النشر : 2026-06-14