0

بمختلف الألوان
أعلنَ الإمامُ الحُسينُ موقِفَهُ عَلانيّةً وصَراحةً تجاهَ إمرَةِ يزيدَ فقالَ سلامُ اللهِ عليهِ: (إنّا أهلُ بيتِ النُّبوَّةِ ومَعدِنِ الرِّسالَةِ... ويزيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شاربُ الخمرِ، قاتلُ النَّفسِ المُحتَرَمةِ، مُعلِنٌ بالفِسقِ، ومِثلي لا يُبايِعُ مِثلَهُ) لم يَكُنِ الإمامُ الحُسينُ مُنفَصِلاً... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... سوء الخُلُق يُعيق التوبة ويُضاعف الذنوب (73)

منذ 49 دقيقة
في 2026/10/18م
عدد المشاهدات :8

حسن الهاشمي
ليس أخطر ما يصيب الإنسان أن يقع في الذنب، وإنما الأخطر أن يستسلم للأسباب التي تدفعه إليه، وأن يترك في نفسه من الطباع ما يجعله أسير أخطائه، حتى يغدو كلُّ نهوضٍ من معصية بدايةً لسقوطٍ جديد، ومن هنا تتجلّى خطورة سوء الخلق، فهو ليس عيباً عابراً في سلوك الإنسان، بل آفةٌ أخلاقية قد تحاصره في علاقته بربه، وتفسد علاقته بالناس، وتضعف قدرته على مراجعة نفسه وإصلاح مسيرته.
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: (أبىٰ الله عزّ وجلّ لصاحب الخُلق السيء بالتوبة، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنّه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه( اُصول الكافي للكليني / ج ۲ / ص ۲٤۲ / ح ۲. إنها عبارة توقظ الضمير، وتلفت النظر إلى أن التوبة ليست مجرد ندمٍ على فعلٍ مضى، ولا كلماتٍ يرددها اللسان طلباً للمغفرة، بل هي تحوّلٌ داخلي يعيد تشكيل شخصية الإنسان، ويحرّره من الأسباب التي دفعته إلى الانحراف، فإذا تاب المرء من ذنبٍ ولم يعالج جذوره الأخلاقية، بقي معرّضاً لتكراره، وربما انتقل إلى ذنبٍ أشد منه أثراً وأعظم خطراً.
سوء الخلق يُضعف إرادة التغيير
إن صاحب الخلق السيئ قد يعرف الصواب، لكنه لا يملك دائماً القدرة على الالتزام به حين تستفزه كلمة، أو تخالفه إرادة، أو يقف أحدٌ في وجه رغباته، فالغضوب قد يندم على إهانة إنسان، ثم يعود إلى إهانة غيره عند أول خلاف، والمتكبّر قد يستغفر من احتقار الآخرين، ثم يستأنف تعاليه حين يشعر بالتفوق، وصاحب اللسان الجارح قد يعتذر عن أذى ألحقه بغيره، ثم يكرر الأذى نفسه عندما يغضب، وهكذا تتحول التوبة، إذا لم يصحبها إصلاحٌ للخلق، إلى دائرة تتكرر فيها الأخطاء والاعتذارات، من دون أن يتحقق التغيير الحقيقي في النفس والسلوك.
ليس من كمال الإنسان ألّا يخطئ مطلقاً، فالبشر غير معصومين من الزلل، وإنما من كماله أن يراقب نفسه قبل أن يتكلم، ويزن أفعاله قبل أن يقدم عليها، وإذا أخطأ اعترف بخطئه، وسارع إلى إصلاح ما أفسده، أما أن يجعل الإساءة عادةً، والاعتذار وسيلةً لتجاوز آثارها، ثم يعود إلى الخطأ نفسه كلما سنحت له الفرصة، فذلك خللٌ في بناء الشخصية، ودليلٌ على أن جذور المشكلة ما زالت قائمة في نفسه.
سوء الخُلُق يُدخلك في دائرة الإساءة والاعتذار
وقد لخّص الإمام الحسين (عليه السلام) هذه الحقيقة الأخلاقية بقوله: (إِيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُسِيءُ وَلَا يَعْتَذِرُ، وَالْمُنَافِقَ كُلَّ يَوْمٍ يُسِيءُ وَيَعْتَذِرُ) تحف العقول عن آل الرسول للحرّاني، ص 177. إن هذه الحكمة لا تريد أن تقول إن المؤمن لا يخطئ أبداً، أو إن الاعتذار مذموم في ذاته، وإنما ترسم صورة الإنسان الذي يراقب الله في أقواله وأفعاله، ويتجنّب الإساءة إلى الناس، فلا يجعل الاعتذار المتكرر ستاراً يخفي وراءه إصراره على السلوك السيئ.
إن الحكمة التي يوجّهنا إليها الإمام الحسين (عليه السلام) هي أن نعيش بمستوى من الوعي الأخلاقي يجعلنا نتجنّب الإساءة قبل وقوعها، وأن نربّي أنفسنا على احترام الآخرين وصيانة حقوقهم، فلا نضطر إلى تكرار الاعتذار بسبب أفعال كان يمكن تجنبها، وإذا أخطأنا، فلا ينبغي أن نستسلم لليأس، ولا أن نخجل من الاعتذار، بل علينا أن نجعل الندم بدايةً للإصلاح، والمسامحة فرصةً لتجديد العلاقة، والتوبة طريقاً للتخلّص من الأسباب التي قادتنا إلى الخطأ.
ليس المؤمن من لا يزلّ قط، وإنما من لا يصرّ على الزلل، ولا يتخذ من الاعتذار ستاراً لاستمرار الإساءة، وليس كمال الأخلاق في كثرة الوعود، بل في صدق التغيير الذي يلمسه الناس في تعاملنا معهم، فمن أراد أن يثبت على التوبة، فليبدأ بإصلاح خلقه؛ ومن أراد أن يحفظ كرامته، فليحفظ كرامة الآخرين؛ ومن أراد أن يكون اعتذاره صادقاً، فليجعل سلوكه بعد الاعتذار شاهداً على ندمه.
التوبة الصادقة تبدأ من إصلاح الباطن
ليس المقصود أن صاحب الخلق السيئ محرومٌ من رحمة الله، أو أن باب التوبة مغلقٌ في وجهه؛ فرحمة الله أوسع من ذنوب العباد، والتوبة الصادقة ممكنة لكل من رجع إلى ربه نادماً مصلحاً، وإنما المقصود أن سوء الخلق قد يكون عائقاً أمام صدق التوبة واستمرارها، ما دام الإنسان مصراً على إبقاء الأسباب التي تعيده إلى المعصية.
ولذلك فإن التوبة الحقيقية تستدعي من الإنسان أن يحاسب نفسه، وأن يتعرف إلى مواطن الخلل فيها، وأن يستبدل الغضب بالحلم، والكبر بالتواضع، والقسوة بالرحمة، والاندفاع بالتروي، وإذا كان الذنب متعلقاً بحقوق الناس، فلابدّ من مراعاة ما تقتضيه التوبة من رد الحقوق أو طلب المسامحة بحسب الحال.
سوء الخلق لا يفسد علاقة الإنسان بربه فحسب
إن آثاره تتجاوز صاحبه إلى أسرته ومجتمعه؛ فقد يكون المرء كثير العبادة، حريصاً على أداء الشعائر، لكنه يؤذي زوجته وأطفاله، أو يسيء إلى والديه، أو يجرح أصدقاءه بلسانه، أو يتعامل مع الآخرين بعنفٍ واستعلاء، وهنا تظهر المفارقة بين العبادة التي يُفترض أن تهذب النفس، والسلوك الذي يكشف عن حاجتها إلى مزيد من الإصلاح.
فلا يكفي أن يطلب الإنسان المغفرة بلسانه، بينما يترك جراحه مفتوحة في نفوس الآخرين، ولا يكفي أن يندم على إساءته، إذا كان لا يبذل جهداً حقيقياً لمنع تكرارها، إن من تمام التوبة أن تتحول مشاعر الندم إلى سلوكٍ جديد، يشعر معه الآخرون بأن هذا الإنسان قد تغيّر بالفعل.
إصلاح الخلق هو الطريق إلى ثبات التوبة
إن من أراد توبةً راسخة، فليجعل إصلاح أخلاقه جزءاً أساسياً من برنامجه الإيماني؛ وليتعلم كيف يضبط غضبه، ويحفظ لسانه، ويتواضع للحق، ويعترف بخطئه، ويعتذر ممن أساء إليهم، وليعلم أن الاعتذار ليس ضعفاً، وأن الاعتراف بالخطأ ليس انتقاصاً من الكرامة، بل هو دليل شجاعةٍ أخلاقية وقدرةٍ على الانتصار على النفس.
وما أجمل أن يقيس الإنسان توبته بمقدار ما أحدثته من تغيير في معاملته للآخرين، لا بمجرد ما يشعر به من ندمٍ في لحظة عابرة؛ فكلما ازداد حلماً بعد غضب، ورحمةً بعد قسوة، وتواضعاً بعد كبر، اقترب من حقيقة التوبة التي تصلح الباطن والظاهر معاً.
إن سوء الخلق قد يجعل الإنسان يدور في حلقةٍ من الذنوب المتكررة، أما مجاهدة النفس وإصلاح الطباع فهما من أهم أسباب الثبات على التوبة، فليس المطلوب من الإنسان أن يكون معصوماً من الخطأ، وإنما المطلوب أن يكون صادقاً في الرجوع، جاداً في الإصلاح، حريصاً على ألاّ يجعل من أخطائه المتكررة سيرةً لحياته، فالتوبة التي لا تغيّر السلوك تظل ناقصة الأثر، أما التوبة التي تهذّب الأخلاق، وتحفظ حقوق الناس، وتردع النفس عن أسباب المعصية، فهي بداية إنسانٍ جديد يطرق باب الرحمة الإلهية بقلبٍ نادم وإرادةٍ مصلحة.
الربط بين الروايتين وأثرهما التربوي
يمكن الجمع بين الحكمة المنقولة عن الإمام الحسين (عليه السلام)، والرواية التي تحذّر من أثر سوء الخلق في التوبة، ضمن ثلاثة محاور:
1ـ سوء الخلق سبب لتكرار الإساءة: لأن الغضب والعناد والتكبر قد تدفع الإنسان إلى تكرار أخطائه، حتى تصبح الإساءة نمطاً ثابتاً في تعامله.
2ـ الاعتذار لا يكتمل من دون إصلاح: فالاعتذار يعالج جانباً من آثار الخطأ، بينما معالجة أسبابه تحتاج إلى تهذيب النفس وتغيير السلوك.
3ـ التوبة الصادقة تتجلى في حسن المعاملة: فكلما استطاع الإنسان ضبط غضبه، وحفظ لسانه، وأدى حقوق الآخرين، كان ذلك دليلاً عملياً على جديته في إصلاح نفسه.
وهنا ينبغي التفريق بين الاعتذار المحمود الذي يدل على التواضع والندم، والاعتذار المتكرر الذي يصاحبه الإصرار على الإساءة، فالأول من مكارم الأخلاق، أما الثاني فيكشف عن مشكلة لم تُعالج جذورها بعد.
إن سوء الخلق لا يكمن خطره في الإساءة وحدها، بل في تحويلها إلى عادة، والاعتذار إلى تبرير، والتوبة إلى كلمات لا تغيّر واقع الإنسان؛ أما المؤمن، فيجعل من ندمه بدايةً للإصلاح، ومن اعتذاره عهداً بألا يستخف بحقوق الآخرين مرةً أخرى.

اعضاء معجبون بهذا

غراب بمظهر الهدهد
بقلم الكاتب : السيد رياض الفاضلي
​العلمُ نورٌ لطيف لا يستقرّ إلّا في وعاءٍ طاهر من الأكدار كالأنانيّة وسائر رعونات النّفس؛ فإذا التبس بالرّياء، وحبّ العلوّ، وفساد النيّة، استحال وبالاً على صاحبه، وتعدّى ضرره إلى تشويه الشّأن العلميّ وأهله الصّادقين. ومن كان على هذا لم يزدد بالعلم إلّا بعداً، فهو كغرابٍ نعب في حمى الجنان... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 4 ايام
2026/10/14
يعد الحمض النووي للورم الموجود في الدم (Circulating Tumor DNA-ctDNA) من المؤشرات الحيوية التي...
منذ 6 ايام
2026/10/12
التوتر النفسي ليس مجرد شعور بالقلق أو الخوف، بل هو استجابة كيميائية وعصبية...
منذ 6 ايام
2026/10/12
علي حسين عريبي ‏كل دولة تريد أن تكون عظمى في مختلف المجالات عليها أن تدرك أن...