روى عبد الله بن الحسن بإسناده، عن آبائه عليهم السلام:
إنّه لمّا أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكاً وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثمّ أنّت أنّة، أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم، وهدأت فورتهم؛ افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها، فقالت عليها السلام من جملة ما قالت: (فَجَعَلَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ) .
أولاً: فلسفة الإيمان وبنيته العقائدية
بدأت الزهراء (عليها السلام) حديثها في هذا المقطع بمقاربة فلسفة الإيمان، بوصفه الركيزة الأولى التي يقوم عليها هيكل الإسلام. وهي تؤكد في هذه الجملة أن الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر —الذي أوجب الله الالتزام به كعقيدة— يمثّل المناعة الطبيعية التي يمتلكها الإنسان المسلم لتجنب وباء الشرك الذي يزلزل العقيدة ويهدد كيانها.
فالشرك والإيمان مفهومان متناقضان لا يمكن أن يجتمعا في الشخصية الإنسانية؛ إذ إن العبودية المطلقة لله التي يفرضها الإيمان الحق، لا يمكن أن تتحقق في نفس داخلها رَينُ الشرك أو الهوى.
وقد تعرّض العلامة الطباطبائي لتفسير معنى الإيمان في ظلال الآيات القرآنيّة فذكر أن:
"الإيمان، تمكّن الاعتقاد في القلب، مأخوذ من الأمن، كأنّ المؤمن يُعطي لما آمن به الأمن من الريب والشك".
وهناك تعاريف متعدّدة لمعنى الإيمان، منها أنه بمعنى الإذعان والتصديق بالشيء، أو الالتزام بلوازمه. وبناءً عليه، فإن الإيمان بالله في عُرف القرآن هو التصديق بوحدانيّته، وبالأنبياء، وبالمعاد، وبكلِّ ما جاء به الأنبياء، مقترناً باتِّباعهم في الجملة.
ويرى العلامة الطباطبائي في موضع آخر أن محلّ الإيمان هو قلب الإنسان؛ بمعنى أنه عقد وحالة قلبية تمنح المؤمن الأمان، وهو عبارة عن أثر أو صفة تتحقّق في قلب المؤمن الحقيقيّ.
وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن الإيمان ليس مجرّد اعتقاد ذهني ، بل لا بد من الالتزام بلوازمه وآثاره العمليّة.
نعم، إن الطمأنينة والسكون الخاص في النفس هما من مكوِّنات الإيمان، وهما بنفسهما أثر من آثار الالتزام العملي؛ فالإيمان بالله لا يكفي فيه أن يَعلم الإنسان ويدرك عقلياً أن الله حق، بل لا بدّ من ترتيب آثار ذلك في السلوك والعمل.
ثانياً: الإيمان بوصفه عقداً حرّاً.
والإيمان عقد وثيق بين المخلوق وخالقه، وهو أرقى صيغة وأعلى شكل من أشكال العلاقات الإنسانية والربانية؛ لأنه:
• يقوم على الاختيار الحر: إذ لو كان ناشئاً عن إكراه أو بغير اختيار، لَفَقَد قيمته ومقبوليته، قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) . والإكراه هو الإجبار والحمل على الفعل من غير رضا. فالإيمان الذي يتحقّق قسراً لا يكون إيماناً كاملاً ولا نافعاً؛ ولأن الثواب والعقاب هما أساس الأمر والنهي في الدين، فلا بدّ من بنائهما على الحرية والاختيار، إذ لا يمكن ثواب أو عقاب الإنسان المضطر والمكرَه، لا في دائرة الدين ولا في دائرة الأحكام الاجتماعية والحقوقية.
ثالثاً: مراتب الإيمان وأثره الأخلاقي
للإيمان أقسام ومراتب متعدّدة بلحاظ ما يتركه من تأثير في نفس المؤمن؛ ولذا يذكر العلامة الطباطبائي أن الإيمان في جوهره وأصله واحد، ولكنّ له درجات، وصفات، ومنازل. فالمؤمنون متعدّدون ولكنّ الإيمان واحد، وأجسامهم متفرقة ولكنّ روحهم واحدة.
فبلحاظ المراتب، يمتلك الإيمان مرتبةً تامّةً كاملة هي أعلى درجاته، ومراتب أخرى دونها يتطرق إليها النقصان، وبين المرتبتين منازل يقف فيها أهل الإيمان بحسب درجات تسليمهم. وبأصل الإيمان يدخل المؤمنون الجنّة، وبالزيادة فيه يتفاضل الخَلق في الدرجات عند الله عز وجل.
إن الثمرة الطبيعية للاعتقاد الصادق هي الأخلاق، ويتجلى ذلك في أن:
• الإيمان يتوغل في الأخلاق ويجعلها جزءاً لا يتجزأ من كيانه.
• الأخلاق ليست قواعد نفعية أو خارجية، بل تنبع من الإيمان، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين يديه فقال: يا رسول الله ما الدّين؟ فقال: "حُسن الخلق"، ثمّ أتاه من قِبَل يمينه فقال، يا رسول الله ما الدّين؟ فقال: "حُسن الخلق"، ثمّ أتاه من قِبَل شماله فقال: يا رسول الله ما الدّين؟ فقال: "حُسن الخلق"1.
ومن هنا نجد أن آيات القرآن الكريم التي تتجاوز الستة آلاف آية، لم تتجاوز آيات التشريع والأحكام فيها حدود الخمسمائة آية، في حين استوعب بحر القرآن آيات المواعظ، والحِكم، والقصص. وفي هذا دلالة واضحة على أن التشريع بمنزلة كائن لا ينمو ولا يثمر إلا في بحر منظومة الأخلاق.
ولولا هذه المنظومة الأخلاقية الحاكمة التي تقضي بعدم التقدم على المعصوم، فما الذي كان يمنع أبا الفضل العباس (عليه السلام) من شرب الماء في لحظة العطش الشديد؟ إذ يصف الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك الحال بقوله: «كان قلب عمّي العباس كصالية الجمر من الظمأ». الله أكبر! ومع كل ذلك اللظى لم يبلّ حتى شفتيه اليابستين؛ إنه تغلغل الإيمان الذي طهّر النفس من الأنانية والشرك الخفي، ليرتقي العباس (عليه السلام) إلى ذلك المقام الأسمى الذي يغبطه عليه جميع الشهداء يوم القيامة.
رابعاً: التحرر من "الأنا" والتسليم المطلق
لكي يتغلغل الإيمان في النفس وينعكس على الوجود كله —بشراً وحجراً ومَدَراً— لا بد أولاً من تفريغ القلب من الشرك بالطاغوت: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ) . وعندها تصبح علاقة الإنسان محكومة بالتسليم والتطابق المطلق مع الإرادة الإلهية: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ، باعتبار المعصوم ممثلاً شرعياً وحيداً للسماء.
هذا التسليم هنا مضاعف: تسليم عملي في الجوارح، وتسليم قلبي في الجوانب؛ لأن ما جاء به الرسول هو من عند الله، وطاعته طاعة لله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) . لقد نزّهكم الله بالإيمان عن الشرك، لأن حقيقة الإيمان تعني انصياع الجوارح لأوامر الله عز وجل، وتلاشي "الأنا" عند المؤمن الحقيقي.
روي أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: لقي الحسن بن علي (عليهما السلام) عبد الله بن جعفر فقال: يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه ويحقر منزلته والحاكم عليه الله وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له.
إن إبليس لم يشرك بالله طرفة عين، ولكنه كفر باستكباره وتقديم ذاته، حين قال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) ، فكانت "الأنا" هي أصل الضلال.
ولذا يروي الإمام الصادق (عليه السلام) مبيناً الفلسفة الاجتماعية للإيمان:
"أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِمَنْ هُوَ الْمُؤْمِنُ؟ الْمُؤْمِنُ مَنْ آمَنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ".
فالمؤمن، بخروجه من ضيق الأنانية وشخصانية الشرك إلى رحاب الطاعة الإيمانية، يتحول إلى عنصر أمان وسلام للمجتمع بأكمله.
خامساً: التجلي العملي للإيمان في السيرة السجادية.
لم يكن الإيمان يوماً شعاراً معزولاً عن الواقع، بل هو حركة وتضحية. فعندما احتدم الصراع السياسي والاجتماعي وتفشّت الأزمات الأخلاقية والروحية بعد فاجعة كربلاء، لم ينكفئ الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، بل عمد إلى إطلاق مشروعه العقائدي والتربوي لإعادة بناء الإنسان المؤمن من خلال (الصحيفة السجادية) ، والتي مثّلت برنامجاً متكاملاً لصياغة النفس وتطهيرها من أدران الشرك والأنانية.
ولم يقتصر هذا المشروع على البعد الروحي والدعائي فحسب، بل تلازم مع حركة أخلاقية واجتماعية فريدة؛ حيث كان الإمام (عليه السلام) يترجم أدعيته إلى مواساة عملية، فيتحمل في سبيل ذلك أشد المشاق حتى أثّر حبل الجراب في ظهره الشريف من كثرة ما كان يحمل من طعام، فضلاً عن نقله الماء من الآبار البعيدة لعوائل الشهداء والأيتام الذين فقدوا معيلهم، ليثبت للعالمين أن الإيمان في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هو عقيدة تنبض بالأخلاق، وتسليمٌ يتجسد في خدمة الإنسان.
وقالت عليها السلام:(والصلاة تنزيها لكم عن الكِبر)
والسؤال الذي نطرحه هنا: لماذا خصّت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) صفة "التكبر" بالذكر كعلة أوحدية تنزه الصلاةُ الإنسانَ عنها، في حين أن الصلاة تنهى عن كافّة الذنوب والآثام، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}؟
والجواب: أرادت السيدة الزهراء (ع) لفت الأنظار إلى حقيقة قرآنية عميقة؛ وهي أن التكبر هو الجذر الأساسي لكل بلاءات البشرية، والمحرك الأول لمآسيها وشرورها، سواء كان تكبراً على الخالق جل وعلا أو استعلاءً على الخلق.
فالكبر ليس مجرد ذنب عابر، بل هو الحالة النفسية الخطيرة التي تُجرّئ الإنسان على اقتراف باقي المعاصي والرذائل، كالكذب، والسرقة، والظلم، والجريمة. وإن أي انحراف نعاني منه اليوم في أبعاد الحياة المختلفة—سواء كانت دينية، سياسية، اقتصادية، أو اجتماعية—لو فتشنا عن خلفيته لوجدنا وراءه متكبرين ومستكبرين.
شواهد تاريخية وقرآنية على خطورة الكبر:
• إبليس (نموذج العصيان الأول):
بلغ إبليس غاية الانحراف والعتو نتيجة استكباره، وهو ما وثّقه القرآن الكريم: {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. فلحظة امتناعه عن السجود لآدم (ع) كانت محكومة بالمنطق الاستعلائي: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}.
هذا التكبر والاعتداد بالنار على الطين هو الذي قاده لعصيان ربه وإعلان حربه الوجودية على الإنسان.
• فرعون (نموذج الطغيان السياسي والاجتماعي):
أوصل الكبر فرعون إلى ذروة التجبّر واستعباد الناس وسحق كرامتهم. وقد صوّر القرآن مظهر هذا الزهو والغرور بقوله: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}.
• قريش (نموذج الاستكبار العقائدي):
هو ذاته الجدار النفسي الذي واجه به مشركو قريش دعوة رسول الله (ص)، حيث حكى القرآن عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً}.
والصلاة يُفتَرض بها أن تهذّب المصلي في هذا الإطار منذ بدايتها بقول: (الله أكبر).
وهكذا عندما يطأطئ المصلي رأسه، إذلالاً في حال الركوع، معظّماً الله فعلاً، وبقول: (سبحان ربي العظم وبحمده). ثم يطأطئ من جديد في حالةٍ أشد خضوعاً وإذلالاً تتمثل في السجود واضعاً جبهته على الأرض. ـ ومع كل حركة وانتقال يكرر قول (الله أكبر).. ألا يُفتَرَض بهذا أن ينزع عنه رداء الكِبر؟
ليس مع الله وحده، بل مع الخلق أيضاً، لأن الله الذي يكبّره ويخضع له في الصلاة قد أعلمه أن الكبرياء رداءه، ومن خاصمه رداءه أكبه في النار.
وعدم التأثر يكشف أن الخلل في هذه الصلاة هو ذات الخلل في عبادة إبليس.
إن العقوبة الشديدة للمتكبر تترتب لأن الكبر ليس مجرد شعور، بل هو انعكاس خارجي مدمر، قد تصل إلى الحد الذي أشار إلى بعض آثاره الإمام علي عليه السلام في تتمة خطبته معرّضاً بقابيل: (وَلاَ تَكُونُوا كالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّه) إلى أن قال: (وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
إن السيدة الزهراء (عليها السلام) حين ربطت بين الصلاة وتطهير النفس من الكبر، فلأنها علمت أن الصلاة في جوهرها (قياماً، وركوعاً، وسجوداً) هي تذليل يومي مستمر لجموح النفس، فإذا سقط الكبر من قلب العبد، انفتحت أمامه أبواب الهداية، وصفا قلبه من الذنوب.







د.فاضل حسن شريف
منذ 46 دقيقة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN