كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (25)
بقلم: أحمد السراي
أعوادٌ هزَّت العروشَ...
لما أرادَ يزيد أن يحكمَ ستارَ التضليلِ على العقولِ، وأن يُلبسَ الباطلَ ثوبَ الحقِّ أمامَ أهلِ الشام، جمعَ الناسَ في المسجدِ الأموي في مشهدٍ حافلٍ بالوجوهِ والعيونِ، وأُحضرَ الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) أسيراً بين يدي الطاغيةِ، كانَ المجلسُ مكتظّاً بالوجوه، غير أنَّ الحقيقةَ كانَتْ غريبةً بينَ جدرانِهِ، أصواتٌ تعلو بالمديحِ حيث لا يستحقُّ المديحَ، وسهامٌ من الافتراءِ ترمى نحو بيوتٍ أذهبَ الله تعالى عنها الرجسَ وطهرها تطهيراً، وكانَ الباطلُ يظنُّ أنّهُ انتصرَ حين اعتلى المنبرَ لسانٌ باعَ آخرتَهُ بثمنِ السلطانِ، فجعلَ ينسجُ من الأكاذيبِ مدائحَ لبني أمية، ويصبُّ على أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) سيولاً من الافتراءِ والبهتانِ...
لكنّ النورَ لا يطفأ بنفخةِ كاذبٍ، والحقَّ لا يموتُ وإن أُحيطَ بالقيودِ، وقفَ الإمام السجاد (عليه السلام) في قلبِ ذلك المشهدِ، يحملُ في عينيه بقايا الخيامِ المحترقةِ، وفي صوتِهِ رجعُ الصرخاتِ التي ضاعَتْ بينَ الرمالِ، وفي صدرِهِ مصابٌ لو وُزِّعَ على الجبالِ لتصدّعَتْ من ثقلِهِ، لم يكن أسيراً كما ظنَّ القومُ، بل كانَتِ القيودُ هي الأسيرةَ أمامَ عظمةِ روحِهِ، وكانَ السجّانُ هو المقيدَ بسلاسلِ جهلِهِ وطغيانِهِ...
كانَ المنبرُ يومئذٍ ساحةً يتصارعُ عليها الحقُّ والباطلُ، كلماتٌ يرادُ بها طمسَ النورِ، وأصواتٌ تسعى إلى تشويه الوجوهِ التي أشرقَتْ بها رسالةُ السماءِ، ولما بالغَ الخطيبُ في غوايتِهِ، وتمادى في انحرافِهِ، انبرى الإمام السجاد (عليه السلام) بصوتٍ هزَّ أركانَ المجلسِ، قائلاً: «ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار»…
كلماتٌ لم تكن عتاباً لرجلٍ واحدٍ، بل كانَتْ إدانةً لكلِّ قلمٍ يزوّرُ الحقيقةَ، ولكلِّ لسانٍ يبيعُ دينَهُ في سوقِ السلطانِ...
ثم التفتَ الإمامُ إلى يزيد طالباً الإذنَ في الصعودِ إلى المنبرِ، ليقولَ كلماتٍ لله تعالى فيها رضا، وللناسِ فيها هدايةً، فأبى يزيد بادئ الأمرِ، إذ كانَ يعلمُ أنَّ ذلك الأسيرَ الذي أثقلَتْهُ القيودُ يحملُ من البيانِ ما يزلزلُ العروشَ، ومن الحجةِ ما يهدمُ صروحَ الزيفِ التي بناها الإعلامُ الأموي طوالَ السنين، ولما ألحَّ الناسُ عليه، قالَ كاشفاً عن خوفِهِ الدفينِ: إنّهُ إن صعدَ هذه الأعوادَ لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحةِ آل أبي سفيان، فقيلَ له: وما عسى أن يحسنَ هذا الفتى؟ فقالَ وهو يدركُ حقيقةَ الأمرِ: إنّهُ من أهلِ بيتٍ زقوا العلمَ زقاً!
وما زالَ القومُ يلحُّونَ حتى اضطرَّ إلى الإذنِ له، وحينَ أُذنَ له بالصعودِ، ارتقى المنبرَ كما يرتقي الفجرُ حافاتِ الليلِ الطويلِ، نهضَ الإمام نحو المنبرِ، لا كخطيبٍ يطلبُ مكانةً بين الناسِ، بل كوريثٍ للنبوةِ الذي يحملُ أمانةَ الرسالةِ في زمنِ الغربةِ، فما إن انسابَ صوتُهُ في أرجاءِ المسجدِ حتى ارتجفَتِ القلوبُ التي طالَ سباتها، وشعرَتِ الأرواحُ أنَّ شيئاً من عبقِ الرسالةِ قد عادَ يملأ المكانَ...
حمدَ الله وأثنى عليه، وصلى على جده المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وانطلقَتْ كلماتُهُ كأنَّها أنفاسُ الوحي العائدةُ إلى مسامعِ الأمةِ بعدَ طولِ احتجابٍ، كلماتٌ لم تكن حروفاً تلقى، بل كانت حقائقَ تتفجرُ من قلبٍ طهّرَتْهُ المحنُ، فلامسَتْ شغافَ القلوبِ، واستنزلَتِ الدموعَ من الأحداقِ، وأيقظَتِ الضمائرَ التي أثقلها ركامُ الدعايةِ والتضليلِ، فما أثقلَ تلك الأعوادَ يوم ارتقاها، وما أخفَّها تحتَ قدميه وهو يحملُ إرثَ النبوةِ ووجعَ كربلاء ودموعَ الثكالى، وأنينَ الأطفالِ، وأنينَ السبايا...
لم تكن كلماتٍ تُقال، بل كانت جراحاً تنطقُ، ودموعاً تتكلمُ، وحقائقَ خرجَتْ من بين الركامِ لتعلنَ حضورها، كانَ صوتَ كربلاء وهي تتحدّثُ بعد الصمتِ، وصوتَ الدمِ الزكي وهو يكتبُ شهادتَهُ الأخيرةَ في وجه الجلادين، هناك تبدلتِ الموازين، لم يعُد يزيد جالساً على عرشِ القوةِ، بل واقفاً أمامَ محكمةِ الضميرِ، ولم يعُد الأسيرُ أسيراً، بل صارَ سيدَ الموقفِ وحاكمَ المشهدِ، وانكشفَتِ الوجوهُ التي طالما احتمَتْ بستارِ السلطانِ، فإذا بها عاريةٌ أمامَ كلمةِ صدقٍ خرجَتْ من قلبٍ لم يعرف إلّا الله (تعالى)، وغدَتِ الأعوادُ التي صعدها الإمام السجاد (عليه السلام) جسراً ارتقى منهُ الحقُّ ليعلنَ حضورَهُ، وليكشفَ للناسِ أنَّ الأسرَ لم يستطع أن يأسرَ الكرامةَ، وأنَّ القيودَ لم تتمكّنْ من تقييدِ الكلمةِ حين تكونُ مستمدةً من نور الله (تعالى)...
ومن هناك تركَ صوتَهُ يتردّدُ عبرَ القرونِ، ليخبرَ الدُّنيا أنَّ السيوفَ قد تقتلُ الأجسادَ، لكنَّها تعجزُ عن قتلِ الحقيقةِ، وأنَّ السلاسلَ قد تطوّقُ المعاصمَ، لكنها لا تستطيعُ أن تطوّقَ الرسالةَ، وهكذا بقيَ ذلك الصوتُ حيّاً، يجلجلُ في ضميرِ الزمنِ، بينما تهاوَتْ عروشُ الطغاةِ واحداً بعدَ آخر، وبقيَتْ كلمةُ الحقِّ شامخةً كالنورِ، كلما حاولوا حجبها ازدادَتْ إشراقاً، وكلما أرادوا دفنها نبتَتْ في القلوبِ حياةً لا تزولُ.







وائل الوائلي
منذ 1 ساعة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
كيف قتلت الدارونية (50) مليون من البشر؟!
EN