جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" ﴿البقرة 23﴾ فالإِنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وإن لم يقدر على ذلك فلم يضل في إنسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن اختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به. فإن قلت: ما الفائدة في توسعة التحدي إلى العامة والتعدي عن حومة الخاصة فإن العامة سريعة الانفعال للدعوة والإِجابة لكل صنيعة وقد خضعوا لأمثال الباب والبهاء والقادياني والمسيلمة على أن ما أتوا به واستدلوا عليه أشبه بالهجر والهذيان منه بالكلام. قلت: هذا هو السبيل في عموم الإِعجاز والطريق الممكن في تمييز الكمال والتقدم في أمر يقع فيه التفاضل والسباق، فإن أفهام الناس مختلفة اختلافاً ضرورياً والكمالات كذلك، والنتيجة الضرورية لهاتين المقدمتين أن يدرك صاحب الفهم العالي والنظر الصائب ويرجع من هو دون ذلك فهماً ونظراً إلى صاحبه، والفطرة حاكمة والغريزة قاضية. ولا يقبل شيء مما يناله الإِنسان بقواه المدركة ويبلغه فهمه العموم والشمول لكل فرد في كل زمان ومكان بالوصول والبلوغ والبقاء إلاَّ ما هو من سنخ العلم والمعرفة على الطريقة المذكورة، فإن كل ما فرض آية معجزة غير العلم والمعرفة فإنما هو موجود طبيعي أو حادث حسي محكوم بقوانين المادة محدود بالزمان والمكان فليس بمشهود إلاَّ لبعض أفراد الإِنسان دون بعض ولو فرض محالاً أو كالمحال عمومه لكل فرد منه فإنما يمكن في مكان دون جميع الأمكنة، ولو فرض اتساعه لكل مكان لم يمكن اتساعه لجميع الأزمنة والأوقات. فهذا ما تحدى به القرآن تحدياً عاماً لكل فرد في كل مكان وفي كل زمان.
(تحدّيه بالعلم) وقد تحدى بالعلم والمعرفة خاصة بقوله تعالى "ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء" (النحل 89)، وقوله "ولا رطب ولا يابس إلاَّ في كتاب مبين" (الأنعام 59)، إلى غير ذلك من الآيات، فإن الإِسلام كما يعلمه ويعرفه كل من سار في متن تعليماته من كلياته التي أعطاها القرآن وجزئياته التي أرجعها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بنحو قوله "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" (الحشر 7)، وقوله تعالى "لتحكم بين الناس بما أراك الله" (النساء 105)، وغير ذلك متعرض للجليل والدقيق من المعارف الإِلهية "الفلسفية" والأخلاق الفاضلة والقوانين الدينية الفرعية من عبادات ومعاملات وسياسات واجتماعيات وكل ما يمسه فعل الإِنسان وعمله، كل ذلك على أساس الفطرة وأصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى أصل التوحيد بالتحليل، ويرجع الأصل إلى التفاصيل بالتركيب. وقد بيّن بقاءها جميعاً وانطباقها على صلاح الإِنسان بمرور الدهور وكرورها بقوله تعالى "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (فصلت 41-42). وقوله تعالى "إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون" (الحجر 9)، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ ولا يقضي عليه قانون التحول والتكامل. فإن قلت قد استقرت أنظار الباحثين عن الاجتماع وعلماء التقنين اليوم على وجوب تحول القوانين الوضعية الاجتماعية بتحول الاجتماع واختلافها باختلاف الأزمنة والأوقات وتقدم المدنية والحضارة. قلت سيجيء البحث عن هذا الشأن والجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى "كان الناس أُمة واحدة" (البقرة 213) الآية. وجملة القول وملخصه أن القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطري والأخلاق الفاضلة الغريزية ويدعي أن التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين والوجود. وهؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحول الاجتماع مع إلغاء المعنويات من معارف التوحيد وفضائل الأخلاق، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعي المادي العادم لفضيلة الروح، وكلمة الله هي العليا.
(التحدي بمن أنزل عليه القرآن) وقد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه، ولم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى "قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون" (يونس 16)، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتى لم يأت بشيء من شعر أو نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يحوز تقدماً ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما أتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائهم، ثم بثه في أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة. وغاية ما أخذوه عليه أنه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان ولم تكن أسفاره إلى الشام إلاَّ مع عمّه أبي طالب قبل بلوغه وإلاَّ مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذٍ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره، ولو فرض محالاً ذلك فما هذه المعارف والعلوم؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق؟ وممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه الألسن الفصاح؟ وما أخذوه عليه أنه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعها فأنزل الله سبحانه "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" (النحل 103). وما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء الفرس عالم بالمذاهب والأديان مع أن سلمان إنما آمن به في المدينة، وقد نزل أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بالمدينة بل أزيد، فما الذي زاده إيمان سلمان وصحابته؟. على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين وأممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة غير القصة، ففيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تنبو الفطرة وتتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم، والقرآن يبرأهم منها، وفيها أمور أُخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها إلاَّ ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر. (تحدي القرآن بالإِخبار عن الغيب) وقد تحدى بالإِخبار عن الغيب بآيات كثيرة، منها إخباره بقصص الأنبياء السالفين وأُممهم كقوله تعالى "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا" (هود 49) الآية، وقوله تعالى بعد قصة يوسف "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذْ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون" (يوسف 102) وقوله تعالي في قصة مريم "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذْ يختصمون" (آل عمران 44) وقوله تعالى " ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون" (مريم 34)، إلى غير ذلك من الآيات.







اسعد الدلفي
منذ 1 يوم
ثقافة التظاهروالإحتجاج
الطاهرة ركن الإسلام الثالث
شباب المواكب الحسينية
EN