قال الله سبحانه وتعالى "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً" (الانسان 1) الكثير من الروايات نصت على ان سورة الانسان أو هل أتى كونها مدنية. والسورة من حيث الترتيب نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتسلسل الثامن والتسعين، لكن تسلسلها في المصحف الموجود حالياً في الجزء التاسع والعشرين بالتسلسل السادس والسبعين من سور القرآن. جاء في الموسوعة الالكترونية لمدرسة أهل البيت: لهذه السورة أسماء عديدة، أشهرها: الإنسان، و هل أتى، والدهر، والأبرار، والأمشاج. وهذه الكلمات وردت في أوائل السورة، وآياتها 31، تتألف من 243 كلمة في 1089 حرف. وتعتبر من حيث المقدار من السور المفصلات، أي: السور التي لها آيات متعددة وصغيرة.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى "هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا" (الانسان 1)"هل": يراد بها قد أو أنّها بمعنى الاستفهام التقريري أو الإنكاري، و لكن الظاهر فيها الاستفهام التقريري، فيكون معنى الجملة: (أليس قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا). تتحدث الآيات الأولى عن خلق الإنسان، بالرغم من أنّ أكثر بحوث هذه السورة هي حول القيامة و نعم الجنان، فتحدثت في البدء عن خلق الإنسان، لأنّ التوجه و الالتفات إلى هذا الخلق يهيء الأرضية للتوجه إلى القيامة و البعث كما شرحنا ذلك سابقا في تفسير سورة القيامة. إنّ سورة هل أتي مدنيّة. و نقل هذا المضمون أيضا بطرق مختلفة عن ابن عباس في الدرر المنثور. نقل الزمخشري في تفسير الكشاف ما هو مشهور في سبب نزول آيات صدر السورة و قال: هي في نذر علي و زوجته و ولديه عليهم السّلام. و نقل كذلك جمع كثير من كبار علماء أهل السنة في أنّ سبب نزول الآيات الواردة في صدر السورة "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا" (الانسان 5) قد نزلت في حق عليّ و فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين عليهم السّلام و هي شهادة على مدنيّة السورة (لأن ولادة الحسن و الحسين عليهما السّلام كانت في المدينة) كالواحدي في أسباب المنزل و البغوي في معالم التنزيل و سبط بن الجوزي في التذكرة و الگنجي الشافعي في كفاية الطالب و جمع آخر. و هذه المسألة مشهورة بكثرة لغاية أن محمد بن إدريس الشافعي و هو أحد الأئمة الأربعة لأهل السنة يقول في شعره: إلام، إلام و حتى متى؟ * أعاتب في حبّ هذا الفتى و هل زوجت فاطم غيره؟ * و في غيره هل أتى هل أتى؟ و هناك أدلّة كثيرة في هذا الإطار و سنبيّن قسما منها عند توضيح سبب نزول الآية: "إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ" (الانسان 5) و مع ذلك كله فإنّ البعض يصرّ بعصبية على أنّ السورة مكية، و ينكرون ما قيل من الرّوايات التي وردت في حق السورة و نزولها في المدينة و إنكار نزولها كذلك في حق علي و أهل بيته عليهم السّلام و ذلك من العجب حقّا، فأينما تنتهي الآية أو الرواية إلى فضائل علي و أهل البيت عليهم السّلام يعلو الصراخ و العويل و تظهر الحساسيات الشديدة و كأنّ الإسلام قد وقع في خطر! رغم أنّهم يدّعون أنّ عليا عليه السّلام من الخلفاء الراشدين و من أئمة الإسلام العظام و أنّهم يتودّدون إلى أهل البيت عليه السّلام، و نرى من نتائج حكم الروح الأموية على أفكار هذه الجماعة و وليدة الإعلام المضلل لتلك المرحلة المشؤومة. حفظنا اللّه من جميع الشبهات. فضيلة السورة: في حديث عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: (من قرأ سورة "هل أتى" كان جزاؤه على اللّه جنّة و حريرا). و ورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السّلام: (من قرأ سورة هل أتى في كل غداة خميس زوجه اللّه من الحور العين مأة عذراء و أربعة آلاف ثيب و كان مع محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
جاء في كتاب الإمام على عليه السلام في آراء الخلفاء للمؤلف الشيخ مهدي فقيه إيماني: قوله تعالى "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله باموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين باموالهم وبانفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما" (النساء 95) في محاورة بين أمير المؤمنين عليه السلام واسحاق قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدين. قال: فهل كان لابي بكر وعمر فضل على من لم لم يشهد ذلك المشهد؟ قلت: نعم. قال: فكذلك سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر. قلت: أجل. قال: يا إسحاق، هل تقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: اقرأ علي: "هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا" (الانسان 1) فقرأت منها حتى بلغت"يشربون من كاس كان مزاجها كافورا" (الانسان 5) الى قوله" (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" (الانسان 8). قال: على رسلك،فيمن أنزلت هذه الايات؟ قلت: في علي. قال: فهل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والاسير قال: إنما نطعمكم لوجه الله؟ قلت: أجل. قال: وهل سمعت الله وصف في كتابه أحدا بمثل ما وصف به عليا؟ قلت: لا. قال: صدقت،لان الله جل ثناؤه عرف سيرته.
عن قوله تعالى "هَلْ أَتَىٰ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا" (الانسان 1) يقول الدكتور محمد حسين الصغير رحمه الله التفسير الأولي أن الانسان جسد وروح، أي أنه مركب من حقيقتين متغايرتين، وحينما إتحدا كان الانسان كائناً حياً، فإذا افترقا كان هذا الانسان نفسه ميتاً وعاد جثماناً، وهذا وإن كان صحيحاً في حد ذاته، ومقدماته تبني عن نتائجه، إلا أن القرآن العظيم يومي إلى أبعد من هذا تحديداً حينما جعل الانسان حقيقة واحدة، فهو إنسان بروحه وبدنه، وهو أنسان حين مفارقة روحه لبدنه،فمثله كمثل الماء والتراب حينما يكوّنان حقيقة واحدة عند التماسك أو عند الانحلال. وقوله تعالى "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ" (السجدة 11). فيه دلالة على أن الانسان هو نفس الانسان، فإذا اتصلت الروح بجسده فهو حيٌّ، وإذا انفصلت عنه فهو ميت، إذن هو إنسان في الحالين، والنص القرآني في مجموعة دلالاته (يفيد أن الروح التي يتوفاها ويأخذها قابض الأرواح هي التي يعبر عنها بلفظة (كم) وهو الانسان بتمام حقيقته لا جزء من مجموع). ويصور هذا الملحظ (لم يكن شيئاً مذكوراً). فهذا الانسان بالطريق الاعجازي في الخلق إنما كان طيناً لازباً يندك في طول هذه الأرض وعرضها، فلم يكن ذا ذكر فهو غير متعين ولا محدد، وهو حينما صور هذا التصوير البديع، في خلقه الأول، وولجته الروح بأمره تعالى، عاد إنساناً معلوماً وموجوداً فكان مذكوراً، فهو باللحاظ الأول شيء غير مذكور، وهو باللحاظ الثاني كيان مذكور، وهذا ما تفسره رواية الإمام الباقر عليه السلام: قال: (كان مذكوراً في العلم، ولم يكن مذكوراً في الخلق). وفي رواية أخرى عنه عليه السلام رواها زرارة بن أعين في تفسير جزء الآية، يقول الباقر عليه السلام: (كان شيئاً ولم يكن مذكوراً). فالانسان كان شيئاً في علم الله وتقديره، وإن كان معدوماً بعد لم يوجد، ثم صار شيئاً مذكوراً بعد خلقه وتكوينه، سواءً أنظرنا في ذلك إلى الطريق الاعجازي في الخلق، أو الطريق الفطري في التكوين المتسلسل المنظور إليه في قوله تعالىٰ"لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" (التين 4-5). وهذا أيضاً طريق إعجازي محض أن يخلق من هذه المادة الميتة إنساناً متكاملاً في أحسن تقويم فكان ذا هيئة حسنة، وصورة مترفة، وروعة نادرة، حتى عاد مستوياً أيام شبابه ونضارته مثلاً، ثم ردّ إلى الهرم والشيخوخة، وورد مورد العجز والكبر، فتسافل في خلقه من قوة إلى ضعف، ومن نضارة إلى إنهدام، ومن جمال الفتوة إلى تلاشي القوة، فبعد أن كان ذا هيئة مشرقة وضاءة إستبدلها بالكبر والانحناء والخور. هذا الطرح الموضوعي لمعنى الآية هو الذي يلائم الاستثناء المنقطع بعد الآيتين في قوله تعالى "إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" (التين 6). بدليل أن حكم الخلق التركيبي للانسان يستوي فيه المؤمن والكافر، الموحد والملحد، الصادق والمنافق، بدليل قوله تعالى "وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ" (يس 68). و"من" من أدوات العموم، فكل معمّر من الناس ينتكس في الخلق.
جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى "هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا" (الانسان 1) هَلْ حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. أَتَى فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ. عَلَى حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. الْإِنْسَانِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. حِينٌ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. مِنَ حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. الدَّهْرِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَعْتٌ لِـ(حِينٌ) :. لَمْ حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يَكُنْ فِعْلٌ مُضَارِعٌ نَاسِخٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَاسْمُ يَكُنْ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ". شَيْئًا خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. مَذْكُورًا نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.







اسعد الدلفي
منذ 1 ساعة
من الذاكرة الرمضانية الكربلائية.. الجزء الاول
عراق الحسين (ع) - من وحي الأربعينية
العمل التطوعي لمجتمعٍ متراحم
EN