تُعدّ الكيمياء الحيوية أحد الركائز الأساسية في العلوم الطبية الحديثة إذ تجمع بين مبادئ الكيمياء والبيولوجيا الجزيئية لدراسة التفاعلات الكيميائية التي تجري داخل الخلايا الحية ويسهم هذا العلم بشكل مباشر في فهم الآليات الجزيئية للأمراض مما أتاح تطوير أدوية ذات فعالية عالية وانتقائية دقيقة مقارنة بالأدوية التقليدية ويعتمد التقدم الدوائي الحديث على التحليل البنيوي والكيميائي للجزيئات الحيوية مثل البروتينات والإنزيمات والأحماض النووية والتي تمثل الأهداف الدوائية الرئيسية داخل الخلية , تلعب البروتينات دورًا محوريًا في تنظيم المسارات الأيضية ونقل الإشارات الخلوية ولذلك تُعدّ أهدافًا دوائية مثالية حيث تعمل معظم الأدوية على الارتباط بالموقع الفعّال أو بالمواقع التنظيمية لتعديل النشاط الحيوي للبروتين سواء بالتثبيط أو التنشيط ويُعدّ فهم البنية الفراغية للبروتينات والتفاعلات غير التساهمية مثل الروابط الهيدروجينية وقوى فان دير فال والتآثرات الكهروستاتيكية عنصرًا حاسمًا في تصميم المركبات الدوائية القادرة على الارتباط الانتقائي بالهدف الحيوي , تحتل الإنزيمات موقعًا مركزيًا في الكيمياء الحيوية الدوائية نظرًا لكونها محفزات عالية التخصص وقد أدّى تفسير آليات عملها وفق نماذج القفل والمفتاح والملاءمة المستحثة إلى تطوير مثبطات إنزيمية فعالة تُستخدم في علاج العديد من الأمراض مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين في علاج ارتفاع ضغط الدم ومثبطات البروتياز في العلاج المضاد للفيروسات وتعتمد فعالية هذه الأدوية على قدرتها في خفض طاقة التنشيط أو منع تكوين معقد الإنزيم والركيزة , تسهم الكيمياء الحيوية كذلك في دراسة استقلاب الأدوية داخل الجسم من خلال تحليل الحرائك الدوائية والديناميكا الدوائية حيث يتم تتبع امتصاص الدواء وتوزيعه وتحوله الحيوي وإطراحه ويُعدّ الكبد الموقع الرئيسي لاستقلاب المركبات الدوائية عبر منظومة إنزيمات السيتوكروم P450 التي تقوم بإجراء تفاعلات أكسدة واختزال وتحلل مائي لتحويل الأدوية إلى نواتج أكثر ذوبانية في الماء مما يسهل التخلص منها ويُعدّ فهم هذه المسارات الكيميائية الحيوية أمرًا ضروريًا لتحديد الجرعات العلاجية الآمنة وتجنب التداخلات الدوائية السامة مع تطور تقنيات الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية أصبح بالإمكان إنتاج أدوية حيوية تعتمد على التعبير الجيني وإعادة تركيب الحمض النووي مثل الإنسولين المؤتلف والأجسام المضادة وحيدة النسيلة وعوامل النمو وقد مثّلت هذه الأدوية نقلة نوعية في علاج الأمراض المزمنة والأورام واضطرابات المناعة الذاتية نظرًا لارتفاع انتقائيتها وانخفاض سمّيتها مقارنة بالمركبات الكيميائية التقليدية , أسهم التقدم في الكيمياء الحيوية أيضًا في تقليل الآثار الجانبية للأدوية من خلال تصميم مركبات عالية الانتقائية تستهدف مسارات خلوية محددة دون التأثير في الخلايا السليمة ويُعدّ هذا التوجه أساس الطب الدقيق الذي يعتمد على الفروق الجزيئية والكيميائية الحيوية بين الأفراد مما يسمح بتخصيص العلاج وفق الخصائص الوراثية والاستقلابية لكل مريض.
في الختام تمثل الكيمياء الحيوية الأساس العلمي لتطوير الأدوية الحديثة إذ مكّن الفهم الجزيئي للتفاعلات الحيوية من تصميم علاجات أكثر أمانًا وفعالية وفتح آفاق جديدة لعلاج أمراض كانت تُعدّ مستعصية في السابق ومع استمرار تطور التقنيات التحليلية والجزيئية ستبقى الكيمياء الحيوية المحرك الرئيس للابتكار في العلوم الدوائية والطب الحديث.







د.أمل الأسدي
منذ 1 اسبوع
الغيرة من براءة الطفل إلى توجسات المرأة
حبوبتي كنداكة
أبناؤنا بينَ الواقعِ والمواقع
EN