الماء عنصر أساسي للحياة على الأرض، ويمثل في الوقت ذاته أحد أهم الموارد التي يسعى العلماء لفهم سلوكه في بيئات خارج كوكبنا، يعد الماء مادة فريدة بسبب خواصه غير الاعتيادية مثل الكثافة القصوى عند 4 درجات مئوية، والتوتر السطحي العالي، والقدرة على الذوبان لمجموعة واسعة من المواد. هذه الخواص التي نعرفها جيدًا على سطح الأرض تتغير جذريًا عند نقله إلى بيئة الفضاء حيث الجاذبية الصغرى والفراغ وظروف الإشعاع المختلفة. إن دراسة سلوك الماء في الفضاء لا تنحصر في الفضول العلمي، بل لها أهمية مباشرة في استدامة الرحلات الفضائية طويلة الأمد، ودعم الحياة في المحطات المدارية، واستكشاف الكواكب مثل القمر والمريخ. وكما أشارت وكالة NASA في تقرير عام 2020، فإن التحكم في ديناميكيات السوائل يمثل تحديًا رئيسيًا في تصميم أنظمة دعم الحياة (NASA, 2020).
عندما ندرس الماء على سطح الأرض، فإن الجاذبية الأرضية هي العامل الأساسي الذي يحدد سلوكه، سواء في تدفقه أو في تكوين سطحه الحر. لكن في بيئة الجاذبية الصغرى، مثل الموجودة على محطة الفضاء الدولية، يختفي هذا العامل تقريبًا، فيصبح التوتر السطحي هو القوة المسيطرة. هذا يؤدي إلى تشكل قطرات كروية متماسكة بدلًا من جريان الماء بشكل أفقي كما يحدث على الأرض. وقد أوضحت تجارب أجرتها وكالة الفضاء الأوروبية ESA في وحدة الأبحاث Columbus أن الماء في هذه الظروف لا يكوّن “سطحًا مستويًا” بل يميل إلى التكتل في أشكال كروية متحركة يمكن التحكم بها عبر الضغط أو الشفط (ESA, 2017). الفيزيائيون يفسرون ذلك بأن غياب الوزن يجعل القوى الجزيئية الداخلية، خصوصًا قوى فان دير فالس والتوتر السطحي، أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، مما يتيح دراسة سلوكيات يصعب ملاحظتها في بيئات الجاذبية العادية.
تُظهر تجارب وكالة JAXA اليابانية أيضًا أن الماء في الفضاء لا يختلط بالهواء بسهولة كما على الأرض. فعوضًا عن تكوين فقاعات تصعد إلى السطح، تظل الغازات محاصرة داخل القطرات المائية، مما يؤدي إلى تكوين أنماط غير مستقرة من التوزيع الغازي–السائل (JAXA, 2018). هذه الخاصية لها انعكاسات مباشرة على عمليات تنقية المياه وإعادة تدويرها داخل المحطات الفضائية.
لم يكن من الممكن فهم سلوك الماء في الفضاء من خلال النماذج النظرية فقط، بل تطلب الأمر تجارب عملية على متن منصات فضائية. فقد أجرت NASA سلسلة من التجارب تحت اسم "Capillary Flow Experiment" منذ عام 2004، حيث درس رواد الفضاء كيف يتحرك الماء عبر قنوات ضيقة وأنابيب ذات أشكال هندسية مختلفة. النتائج بينت أن ظاهرة "الجريان الشعري" تصبح العامل الأساسي في نقل السوائل في غياب الجاذبية، وهو ما فتح المجال لتطوير أنظمة تعتمد على الهندسة الدقيقة للتحكم في الماء (NASA, 2012).
وفي عام 2015، أجرى رائد الفضاء سكوت كيلي تجربة مشهورة حيث أطلق كرة ماء طافية في محطة الفضاء الدولية وأدخل داخلها مادة غذائية ملوّنة. هذا العرض البسيط أوضح للجمهور والعلماء على حد سواء كيف يحافظ الماء في الفضاء على شكله الكروي بسبب التوتر السطحي، وكيف يمكن أن يتصرف كسطح عدسي يركز الضوء (NASA, 2015).
أما وكالة ESA، فقد ركزت على دراسة "انتقال الحرارة داخل الماء" في ظروف الجاذبية الصغرى. نتائجها المنشورة في Acta Astronautica (2019) أشارت إلى أن غياب الحمل الحراري الطبيعي – وهو انتقال الحرارة الناتج عن اختلاف الكثافة في السوائل – يغير كليًا طريقة تبادل الحرارة داخل السوائل. هذا ما يجعل تسخين الماء أو تبريده في الفضاء عملية تحتاج إلى استراتيجيات جديدة تعتمد على التوصيل والتصميم الهندسي بدلًا من الحمل (ESA, 2019).
الفهم العميق لسلوك الماء في بيئة الفضاء لم يكن مجرد معرفة أساسية، بل تحول إلى تطبيقات مباشرة وحيوية.
أولًا، أنظمة دعم الحياة في محطة الفضاء الدولية تعتمد بشكل كبير على إعادة تدوير المياه. وفقًا لتقرير NASA عام 2019، فإن أكثر من 90% من الماء المستخدم في المحطة يعاد تدويره، بما في ذلك بخار الماء الناتج عن التنفس والعرق. قدرة الأنظمة على التحكم في حركة الماء وتنقيته تعتمد على نتائج التجارب التي درست سلوكه في الجاذبية الصغرى.
ثانيًا، يستخدم الماء في بعض مشاريع الدفع الفضائي كوقود بديل. الفكرة تقوم على تسخين الماء أو تفكيكه إلى هيدروجين وأكسجين عبر التحليل الكهربائي. وفق دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA, 2020)، فإن الماء يمكن أن يشكل وقودًا منخفض التكلفة للبعثات بين الكواكب، خصوصًا إذا أمكن الحصول عليه من موارد موجودة على سطح القمر أو المريخ.
ثالثًا، التجارب الطبية والبيولوجية. الماء وسط أساسي في التجارب البيولوجية التي تجرى في الفضاء، من نمو الخلايا إلى دراسة سلوك الأحياء الدقيقة. وقد أظهرت تجارب ESA في عام 2018 أن انعدام الحمل الحراري يغير شكل وانتشار المواد الذائبة في الماء، مما يؤثر على نمو الأنسجة والخلايا الحية.
الماء ليس مهمًا فقط في محطة الفضاء الدولية، بل يمثل موردًا استراتيجيًا في استكشاف القمر والمريخ. في عام 2009، أعلنت NASA عن اكتشاف دلائل قوية لوجود جليد مائي في الفوهات المظلمة للقمر (NASA, 2009). كما أظهرت بعثات Mars Reconnaissance Orbiter أن المريخ يحتوي على رواسب جليدية ضخمة تحت سطحه (NASA, 2016). هذه الاكتشافات تفتح الباب أمام فكرة أن الماء المحلي يمكن أن يدعم المستوطنات البشرية المستقبلية عبر توفير الشرب، الزراعة، وإنتاج الوقود.
لكن التحدي الفيزيائي يكمن في استخراج ومعالجة الماء في بيئات ذات ضغوط منخفضة ودرجات حرارة شديدة البرودة. تجربة نشرتها Nature Astronomy (2021) أوضحت أن جليد الماء على القمر يختلف في بنيته عن الجليد الأرضي، مما يجعل عملية صهره أو تبخيره أكثر تعقيدًا. هنا يأتي دور الفيزياء في تطوير تقنيات جديدة مثل التسخين الميكروي أو التحفيز الكهروضوئي لاستخراج الماء بكفاءة.
يمكن القول إن سلوك الماء في الفضاء يمثل تقاطعًا بين الفيزياء الأساسية والتطبيقات الهندسية المستقبلية. من دراسة التوتر السطحي والانتقال الحراري في بيئة الجاذبية الصغرى، إلى تصميم أنظمة دعم الحياة والدفع الفضائي، يتضح أن الماء ليس مجرد مورد حيوي، بل أيضًا أداة بحثية تسمح لنا بفهم قوانين الطبيعة في ظروف قصوى. المستقبل يحمل تحديات أكبر، خصوصًا مع التوجه نحو القمر والمريخ، لكن التجارب التي أجرتها NASA وESA وJAXA توفر قاعدة علمية قوية يمكن البناء عليها. وكما يؤكد تقرير وكالة NASA لعام 2020، فإن فهم ديناميكيات الماء في الفضاء ليس خيارًا ثانويًا، بل هو شرط أساسي لنجاح الاستكشاف البشري المستدام خارج الأرض.







د.أمل الأسدي
منذ يومين
أنا عراقي أين أقرأ ؟
هكذا انحنى التأريخ لعلي بن أبي طالب عليه السلام
الحسين بين الأمس واليوم
EN