الآثار الوضعية للذنوب... إياك والإقتار على الوالدين بالمال (53)
حسن الهاشمي
الإِقْتار في اللغة يعني التضييق في النفقة والبخل في الإنفاق مع القدرة على المال، أقتر الرجل على عياله: أي ضيّق عليهم في النفقة، في القرآن الكريم وردت مادة الإقتار في قوله تعالى: (وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 236. أي: الفقير الذي ضاق عليه رزقه ينفق بقدر استطاعته.
الفرق بين الإقتار والفقر، الفقر: عدم وجود المال، الإقتار: التضييق في الإنفاق، وقد يكون مع وجود المال، وفي سياق برّ الوالدين عندما يقال الإقتار على الوالدين فالمقصود التضييق عليهما في النفقة والبخل عليهما بالمال مع القدرة، وهذا يُعدّ من صور العقوق لأنه ينافي الإحسان الذي أمر الله به تجاه الوالدين.
نعم، الإقتار على الوالدين بالمال يُعدّ من صور عقوق الوالدين إذا كان الإنسان قادرا على النفقة، ولكنه يضيّق عليهما أو يبخل في الإنفاق عليهما، فالقرآن الكريم جعل الإحسان إلى الوالدين مقرونا بتوحيد الله تعالى، قال سبحانه: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء: 23. ومن أعظم مصاديق هذا الإحسان الإنفاق عليهما وتوسعة العيش لهما إذا احتاجا.
وقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) ما يدل على ذلك، إذ يُعدّ البخل على الوالدين مع القدرة نوعا من العقوق، ومن المفترض ان يكون الولد سببا في راحتهما، وقد تعبا في تربيته وإنفاقهما عليه، ومن المعاني التي يذكرها العلماء: إذا كان الوالدان محتاجين فالنفقة عليهما واجبة، وإذا لم يكونا محتاجين لكن الولد موسر، فالتوسعة عليهما من أعظم البرّ، أما التضييق والبخل عليهما مع القدرة فهو منافٍ للإحسان وقد يدخل في العقوق.
إنّ من صور عقوق الوالدين التي نبّهت إليها التعاليم الإسلامية الإقتار عليهما في النفقة مع القدرة، لأنّ البرّ بهما لا يقتصر على حسن القول ولين المعاملة، بل يشمل الإحسان المالي وتوفير أسباب الراحة لهما، ولا سيما عند حاجتهما، فالولد الذي يبخل على والديه أو يضيّق عليهما مع سعة ماله يكون قد خالف مبدأ الإحسان الذي أمر الله به، إذ إنّ من مقتضيات البرّ أن يوسّع عليهما ويقدّم حاجتهما على كثير من حاجات نفسه.
وردت في تراث أهل البيت (عليهم السلام) روايات كثيرة تؤكد أن الإنفاق على الوالدين والتوسعة عليهما من أعظم مصاديق البرّ، وأن البخل عليهما مع القدرة يعدّ من مظاهر العقوق، ومن هذه الروايات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (هل تعلمون أي نفقة في سبيل الله أفضل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: نفقة الولد على الوالدين) كتاب التعريف لأبي الفتح الكراجكي، ص 6. وهذا يدل على أن البرّ ليس مجرد احترامٍ لفظي، بل يشمل الإحسان المادي وتوفير الراحة لهما.
يبين الحديث أن الإنفاق على الوالدين من أعظم وجوه الإنفاق في سبيل الله، لأن هذا الإنفاق يجمع بين أمرين عظيمين: الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وبرّ الوالدين والإحسان إليهما.
فالولد حين ينفق على والديه لا يقوم بعمل اجتماعي فقط، بل يؤدي عبادة عظيمة يتقرب بها إلى الله تعالى، لأن الوالدين هما السبب في وجوده وتربيته، هذا الحديث يرسم سلّم الأولويات في الإنفاق؛ فقبل أن يوسّع الإنسان على الآخرين أو ينفق في وجوه متعددة من الخير، ينبغي أن ينظر إلى والديه، فإن كانا محتاجين كان إنفاقه عليهما من أفضل القربات.
إن الإقتار على الوالدين مع القدرة ينافي روح البرّ التي أكدت عليها الشريعة، لأن الوالدين أصل وجود الإنسان وسبب تربيته، فكان من الوفاء لهما أن يوسّع عليهما في المال ويقدّم حاجتهما على كثير من حاجاته.
إنّ من مظاهر العقوق التي حذّرت منها التعاليم الإسلامية الإقتار على الوالدين في النفقة مع القدرة، لأن البرّ بهما لا يتحقق بالقول الحسن فقط، بل يشمل الإحسان المالي والتوسعة عليهما، ولا سيما عند حاجتهما، وأن من أفضل مصاديق البرّ أن يوسّع الولد على والديه في النفقة ويجعل راحتهما مقدمة على كثير من رغباته، لأنهما الأصل في وجوده وسبب نشأته.
عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:(أنتَ ومالك لأبيك)بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١٠٠ - ص ٧٣. لا يعني الحديث أن الأب يملك مال ابنه ملكيةً مطلقة، بل المقصود بيان سعة حقّ الأب على ولده، وأن على الولد ألاّ يبخل على أبيه بماله، خصوصا إذا كان الأب محتاجا، فالأب هو السبب في وجود الابن وتربيته، وقد أنفق عليه في صغره، فكان من الوفاء أن يقابل ذلك بالإحسان والإنفاق.
ذكر الفقهاء أن معنى الحديث يتلخص في أمور: وجوب نفقة الأب إذا احتاج وكان الابن قادرا، جواز أخذ الأب من مال ابنه بقدر الحاجة من غير إضرار بالابن، والتأكيد على تعظيم حق الأب ومنع البخل عليه.
هذا الحديث ينسجم مع توجيهات القرآن الكريم في الإحسان إلى الوالدين، ويربي في الإنسان روح الوفاء والبرّ، ويذكّره بأن المال الذي بيده لا ينبغي أن يكون سببا للتضييق على والديه، بل ينبغي أن يكون وسيلةً لإدخال السرور عليهما وردّ بعض جميلهما.







اسعد الدلفي
منذ 1 ساعة
لماذا كان الزلزال في تركيا وسوريا من أقوى الزلازل في التاريخ؟
تسييس الدراما
من قتل علياً عليه السلام ؟
EN