حدود القوة في عالم متغير: تحولات الردع بين واشنطن وطهران
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
22/02/2026
لم تعد القوة في العالم اليوم مجرد امتلاك للتفوق العسكري، بل أصبحت مفهومًا مركبًا تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والرمزية بالقدرة، والتهديد بالفعل. في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية، تتبدل معاني الحشد العسكري من إعلان للهيمنة إلى اختبار لحدودها، ومن أداة إكراه إلى جزء من إدارة التوازن الاستراتيجي. المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران تقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول: إذ لم يعد ميزان القوة وحده كافيًا لفرض الإرادة، بل أصبح التحليل الدقيق للقدرات، والتوقيت، والتكاليف السياسية، والمخاطر الرمزية، عوامل حاسمة في معادلة الصراع.
منذ نهاية الحرب الباردة، اعتمدت الولايات المتحدة على الحشد العسكري كأداة رئيسية في ما يُعرف بـ«دبلوماسية القوة» . تقوم هذه المقاربة على فرضية أن عرض القدرة العسكرية، مصحوبًا بإشارة جدية لاحتمال استخدامها، قد يدفع الخصم إلى تعديل سلوكه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. غير أن نجاح هذه الآلية كان دومًا رهينًا بوجود فجوة ردعية واضحة، تجعل كلفة المواجهة على الطرف المهدد أعلى من كلفة الامتثال. ومع تآكل هذه الفجوة، تتغير فاعلية الحشد، ليصبح رمزًا للقدرة أكثر من كونه أداة ضغط عملية.
في الحالة الإيرانية، لم تسعَ طهران إلى مضاهاة واشنطن تماثليًا، بل إلى إعادة تعريف الردع. لم يكن الهدف مضاهاة الأساطيل أو عدد القواعد، بل رفع الكلفة المحتملة لأي مواجهة إلى مستوى يجعل قرار الحرب عبئًا استراتيجيًا. تراكمت هذه المعادلة عبر سنوات من العقوبات والضغوط، ما منح إيران قدرة على إدارة الأزمات بإيقاع طويل النفس، على عكس الإيقاع السياسي الأمريكي الذي يخضع لدورات انتخابية وحساسية الرأي العام.
برزت لحظة الاختبار الأولى بعد اغتيال الشهيد قاسم سليماني مطلع 2020، عندما استهدفت إيران قاعدة عين الأسد، أكبر تمركز للقوات الأمريكية في العراق. لم تكن الرسالة في حجم الخسائر، بل في كسر قاعدة غير مكتوبة مفادها أن القواعد الأمريكية خارج نطاق الاستهداف المباشر. من تلك اللحظة، دخلت القوات الأمريكية ضمن معادلة الردع الإيرانية، ولو تحت سقف تصعيد محسوب، وأصبح الرد المحتمل على أي عدوان أمريكي مسألة محسوبة تكلفتها السياسية والاستراتيجية.
ثم اندلعت المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران في 13 يونيو 2025، حين أطلقت إسرائيل هجومها الذي حمل اسم «عملية الأسد الصاعد». وابتداءً من مساء اليوم نفسه، ردّت طهران بإطلاق عملية «الوعد الصادق 3»، لتدخل المنطقة في حرب استمرت اثني عشر يومًا حتى 24 يونيو. خلال هذه الجولة، كشفت إيران عن مستوى متقدم من القدرة الصاروخية والدقة العملياتية، تمثل في استهداف العمق الإسرائيلي ومنشآت ذات أهمية استراتيجية، بما أعاد رسم حدود الردع التقليدي. لم تعد المواجهة محكومة بفكرة التفوق العددي أو التفوق الجوي وحده، بل بقدرة كل طرف على فرض كلفة مباشرة ومؤثرة على خصمه ضمن سقف تصعيد محسوب.
وفي سياق هذه الحرب ذاتها، جاء استهداف إيران في 23 يونيو 2025 لقاعدة العديد في قطر كرسالة استراتيجية متعددة الأبعاد. فالضربة لم تكن فعلًا منفصلًا عن مسار العمليات، بل توسيعًا محسوبًا لدائرة الردع لتشمل الوجود العسكري الأمريكي المباشر في الخليج، بما أكد أن القواعد الأمريكية ليست خارج معادلة الاشتباك إذا ما اتسع نطاق الحرب. وقد أسهم هذا التطور في إعادة ضبط مسار التصعيد وتهيئة الظروف لوقف العمليات في اليوم التالي، بعدما أصبح استمرار المواجهة ينذر بكلفة إقليمية أوسع. الدلالة الأعمق هنا أن الانتشار العسكري لم يعد مرادفًا للحصانة، وأن أي تصعيد يُقاس اليوم بالكلفة السياسية والرمزية بقدر ما يُقاس بالقدرة الميدانية.
إضافة إلى القدرة العسكرية، يلعب عامل الزمن دورًا محوريًا في ميزان الردع الإيراني. خبرة إيران الطويلة في مواجهة العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية، أعطتها نفسًا تفاوضيًا طويلًا. فهي لا تتعامل مع التهديدات الأمريكية بعجلة أو استعجال، بل تراكم الحسابات، وتحلل السيناريوهات، وتترك هامش المناورة مفتوحًا. في المقابل، تخضع واشنطن لمحدودية الزمن الداخلي المرتبط بالسياسة والدورة الانتخابية، وتضغط عليها حساسية الرأي العام والخسائر البشرية، ما يقلل فاعلية التهديد العسكري التقليدي.
يمكن فهم التحول الإيراني في الردع من خلال خمسة عناصر مترابطة تُشكل العمود الفقري للقدرة الاستراتيجية:
أولًا، لم يعد التفوق العددي أو النوعي كافيًا، بل أصبحت القدرة على إلحاق كلفة غير متناسبة بالخصم العنصر الحاسم. وقد استثمرت إيران في منظومات صاروخية متقدمة وطائرات مسيّرة وبنية تشغيلية مرنة، بحيث يضمن أي اعتداء محتمل مواجهته برد موثوق ومعزز بالرمزية الاستراتيجية.
ثانيًا، انكشاف البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ فالانتشار الجغرافي المعروف للقواعد في الخليج وشرق المتوسط يجعلها أهدافًا محتملة حتى دون تدمير كامل، ويترك أثرًا سياسيًا داخليًا يعيد تشكيل صورة القوة الأمريكية أمام الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ثالثًا، البعد الإسرائيلي في المعادلة، إذ تمثل إسرائيل حليفًا استراتيجيًا لواشنطن لكنها ضمن نطاق القدرات الإيرانية، وقد أثبتت المواجهة التي استمرت 12 يومًا أن العمق الإسرائيلي لم يعد خارج المعادلة، مما يزيد من تعقيد أي قرار أمريكي بالتصعيد ويضاعف المخاطر الرمزية.
رابعًا، تقلص هامش الغموض، فالتطور الاستخباري والتكنولوجي منح كل طرف إدراكًا دقيقًا لقدرات الآخر وحدوده، ما يقلل عنصر المفاجأة الذي عادةً يعزز فاعلية التهديد العسكري.
خامسًا، التحولات الدولية، حيث لم تعد الولايات المتحدة تتحرك في سياق أحادي القطب؛ فوجود مراكز قوة متعددة، وتشابك المصالح الاقتصادية العالمية، وحساسية الأسواق للطوارئ الجيوسياسية، يجعل أي مواجهة واسعة تتجاوز الإطار العسكري لتطال الاقتصاد والاستقرار الإقليمي والدولي.
في ضوء هذه المعطيات، يواجه الحشد العسكري الأمريكي مفارقة واضحة: لكي يكون الإكراه فعالًا، يجب أن يكون التهديد قابلًا للتنفيذ بكلفة محتملة يمكن احتواؤها. لكن ارتفاع الكلفة واتساع تداعيات أي مواجهة يقللان من فاعلية الرسالة، ويحوّلان الحشد تدريجيًا إلى أداة ضمن لعبة توازن دقيقة، أكثر منها وسيلة لفرض الإرادات. لا يعني ذلك تراجع القدرة العسكرية الأمريكية أو انقلاب ميزان القوة، بل يشير إلى انتقال العلاقة من تفوق أحادي إلى ردع متبادل نسبي. في مثل هذا الإطار، لا يتصرف أي طرف من موقع ضعف وجودي، بل من موقع إدراك واعٍ للحدود والقدرات، حيث تصبح الحرب خيارًا مرتفع الكلفة سياسيًا وعسكريًا.
تآكل فاعلية الحشد العسكري يعكس تحولًا في بنية الردع الإقليمي والدولي أكثر من أي شيء آخر. عندما يمتلك الطرف المقابل قدرة موثوقة على الرد، وإمكانات لتحمّل الضغوط، ومعرفة دقيقة بحدود خصمه، فإن الإكراه المباشر يفقد جزءًا كبيرًا من جدواه. في هذه الحالة، يصبح الحشد العسكري تعبيرًا عن إدارة التوازن وصيانة الاستقرار ضمن سقوف محسوبة، لا أداة حاسمة لفرض الإرادات. ويصبح الزمن، والقدرة الرمزية، والردع البنيوي، أهم أدوات القوة في عصر تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والتقنية، وتبرز المرونة الاستراتيجية للخصوم الطويلي النفس كعامل حاسم في صياغة موازين القوة الحديثة.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 يوم
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
مقبرة الأعياد
شخصية تسير مع الزمن !
EN