ثقافة الإلغاء (Cancel Culture) هي ظاهرة اجتماعية رقمية تعني سحب الدعم (المقاطعة) العلني من شخصيات مشهورة أو عادية بسبب آرائهم أو أفعالهم التي تُعتبر غير مقبولة أخلاقيًا أو إشكالية. تهدف للمساءلة ولكنها قد تتحول لتنمر إلكتروني، وترتبط بشدة بحركات العدالة الاجتماعية، وتؤدي إلى عواقب وخيمة كتشويه السمعة وفقدان الوظائف. مفهوم ثقافة الإلغاء: سياقها: نشأت في العصر الرقمي وتداولها بكثرة الجيل "زد" (Gen Z). أهدافها: يُنظر إليها أحيانًا كأداة للمساءلة الاجتماعية، وفي أحيان أخرى كعقلية قطيع، "حكم الغوغاء" أو قمع للرأي المختلف. أدواتها: تشمل المقاطعة، التنمر الإلكتروني، النبذ الاجتماعي، والتشهير عبر الإنترنت. أمثلة على الاستخدام (أين تظهر؟) المشاهير والشخصيات العامة: مقاطعة فنان أو سياسي بسبب تصريحات قديمة أو سلوك خاطئ. منصات التواصل الاجتماعي: الحملات الرقمية ضد التحرش أو العنصرية. تسريب الفيديوهات: فضائح شخصية تؤدي إلى "الكنسلة". مرادفات ومفاهيم مرتبطة: الكنسلة (Cancel Culture): المرادف المباشر الشائع. ثقافة الاستياء/السخط (Call-out Culture): التشهير العلني. النبذ الاجتماعي (Social Ostracism): إخراج الشخص من الدوائر الاجتماعية. حرب ثقافية/مكارثية رقمية: وصفها بأنها فرض للرأي بالقوة. تداعياتها: تؤدي إلى خلق بيئة من الخوف من التعبير عن الرأي (الرقابة الذاتية). قد تؤدي إلى تدمير مهني وشخصي.. يمكن أن تكون أداة فعالة لتحقيق العدالة إذا استخدمت بوعي، أو أداة للانتقام إذا كانت عشوائية.
جاء في الموسوعة الحرة عن ثقافة الإلغاء (أو ثقافة الإبلاغ) هي شكل حديث من أشكال النبذ يخرج فيهِ شخص ما من الدوائر الاجتماعية أو المهنية - سواء كان ذلك عبر الإنترنت أو على وسائل التواصل الاجتماعي أو وجهاً لوجه. ويقال إن أولئك الذين تعرضوا لهذا النبذ قد جرى (إلغاؤهم). وهذا التعبير (ثقافة الإلغاء) له دلالات سلبية كثيرة ويستخدم بشكل شائع في المناقشات حول حرية التعبير والرقابة. مفهوم ثقافة الإلغاء هو نوع بديل لثقافة الإبلاغ التي يقاطع فيها مجموعة من الأفراد عبر مواقع التواصل الاجتماعي حينما يقوم أحد الأفراد عادةً من المشاهير أو السياسيين بارتكاب خطأ ما، وبالنسبة لهؤلاء الذين تعرضوا لثقافة الإلغاء قد يؤدي حجبهم لعواقب وخيمة جداً، منها فقدان السمعة والدخل المادي ومما يصعب التعافي منها. التحليل الأكاديمي: وفقًا لعالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت، تنشأ ثقافة الإبلاغ مما يسميه (السلامة) في حرم الجامعات. كما أوضح كيث هامبتون، وهو أستاذ في الدراسات الإعلامية في جامعة ولاية ميشيغان، فإن هذه الممارسة تساهم في استقطاب المجتمع الأمريكي، لكنها لا تؤدي إلى تغييرات في الرأي العام. ويخشى بعض الطلاب من التعبير عن الأفكار غير الدارجة خوفاً من أن يجري ضدهم ممارسة ثقافة الإستدعاء عليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقد يتجنبون حتى طرح الأسئلة نتيجةً لذلك. انتشار ثقافة الإبلاغ يمكن أن يجعل الفئات المهمشة تشعر (بمزيد من التردد في التحدث عما يشعرون بأنه صحيح). لقد وُصفت ثقافة الإلغاء أيضًا من قبل عدة باحثين في دراسات وسائل الإعلام المختلفة، موقع Eve-Ng، عبارة عن (مجموعة من الأصوات المهمشة عادةً والتي تمارس ثقافة الإبلاغ وتعبر بشكل قاطع عن انتقادها لشخصية قوية). تقول الباحثة في الدراسات الثقافية فرانسيس لي أن ثقافة الإبلاغ تؤدي إلى ضبط النفس تجاه الآراء (الخاطئة أو القمعية أو غير الملائمة). وفقًا لليزا ناكامورا، أستاذة الدراسات الإعلامية بجامعة ميتشيغان، فإن إلغاء شخص ما هو شكل من أشكال (المقاطعة الثقافية) وأن ثقافة الإلغاء هو (التعبير المطلق للقوة) والذي تولد من الرغبة في السيطرة على الناس والحد من سلطتهم بما يوفروه لهم من صلاحية على وسائل التواصل الاجتماعي (والحاجة إلى المساءلة غير المركزية). اقترح بعض الأكاديميين بدائل وتحسينات لثقافة الإلغاء مثل التعددية الثقافية النقدية حيث اقترحت الأستاذة أنيتا برايت (الدعوة) بدلاً من (لإبلاغ) من أجل تقديم فكرة سابقة عن المساءلة ولكن بطرق إنسانية ومتواضعة وبناءة أكثر. تقول المستشارة الطبية آنا ريتشاردز، المتخصصة في حل النزاعات، إن (تعلم تحليل ماهية دوافعنا عند تقديم النقد يساعد في جعل ثقافة الإبلاغ مثمرة وفعالة أكثر). يؤكد البروفيسور جوشوا نوب، من قسم الفلسفة في جامعة ييل، أن التنديد العلني غير فعال حيث أن المجتمع سريع في إصدار أحكام ضد أولئك الذين نعتبرهم الآن مجرمين علنيين أو أشخاص غير مرغوب فيهم. ويؤكد كنوب أن هذه الإجراءات لها تأثير معاكس على الأفراد وأنه من الأفضل لفت الانتباه إلى الإجراءات الإيجابية التي يشارك فيها معظم أفراد المجتمع.
مصطلح (ثقافة الإلغاء) له دلالات سلبية ويستخدم بشكل شائع في المناقشات حول حرية التعبير والرقابة. حذر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من ثقافة الإبلاغ على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: (الأشخاص الذين يقومون بأفعال جيدة لديهم عيوب كذلك. وهؤلاء الناس الذين تحاربونهم لديهم أطفال يحبونهم كما تعلمون هم أشخاص مثلكم). كما انتقد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ثقافة الإلغاء في خطاب ألقاه في يوليو 2020، مشبِّهًا إياه بالشمولية، وزعم بأنها سلاح سياسي يستخدم لمعاقبة المعارضين وفضحهم من خلال طردهم من وظائفهم ومطالبتهم بالخضوع. رسالة مفتوحة: وصف دالفين براون، الذي يكتب في يو إس إيه توداي، رسالة مفتوحة موقعة من 153 شخصية عامة نشرت في مجلة هاربر بأنها تمثل (نقطة عالية) في النقاش حول هذا الموضوع. حددت الرسالة حججًا ضد (عدم التسامح مع الآراء المعارضة، وإنتشار ظاهرة الإذلال العلني والنبذ الإجتماعي، والميل إلى حل قضايا سياسة معقدة في يقين أخلاقي أعمى). وقع أكثر من 160 شخصًا في الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام خطاب استجابة نظمته المحاضرة أريون نيتلز بعنوان (رسالة أكثر تحديدًا حول العدالة والمناظرة المفتوحة)، وانتقد خطاب هاربر باعتباره نداءً لإنهاء ثقافة الإلغاء من قبل محترفين ناجحين لديهم منصات كبير ة ولكن لاستبعاد الآخرين الذين (ألغوا لأجيال). الرأي العام الأمريكي: أظهر استطلاع الرأي للناخبين الأمريكيين المسجلين الذي أجرته شركة Morning Consult في يوليو 2020 أن ثقافة الإلغاء، التي تعرف على أنها (ممارسة سحب الدعم من (أو إلغاء) الشخصيات والشركات العامة بعد أن فعلوا أو قالوا شيئًا يعتبر مرفوضًا أو مسيئًا)، حيث أن 40٪ من المتفاعلين قالوا بأنهم سحبوا الدعم من الشخصيات العامة والشركات، بما في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنهم فعلوا أو قالوا شيئًا يعتبر مرفوضًا أو مسيئًا، و 8٪ شاركوا في ذلك كثيرًا. ولأن السلوك يختلف وفقًا للعمر فإن (55٪) من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 34 عامًا قد شاركوا في ثقافة الإلغاء، بينما قال حوالي ثلث الناخبين (32٪) فوق 65 عامًا إنهم انضموا إلى مجموعة من وسائل التواصل الاجتماعي. والسلوكيات اتجاه ثقافة الإلغاء تختلف نوعا ما، لغاء و 32٪ وافقوا بينما 24٪ لا يعرفون أو ليس لديهم رأي. وعلاوة على ذلك، اعتقد 46٪ أن ثقافة الإلغاء قد تجاوزت الحد، بينما اعتقد 10٪ فقط أنها لم تحقق ما يكفي. ومع ذلك، اعتقدت الأغلبية (53٪) أنه يجب على الناس توقع عواقب اجتماعية للتعبير عن الآراء الغير شعبية في الأماكن العامة، خاصة تلك التي يمكن تفسيرها على أنها مسيئة للآخرين.
جاء في صحيفة القدس العربي عن ثقافة الإلغاء للكاتب رامي أبو شهاب: مع بدء الثورة الصناعية الرابعة أُلغي الكثير من الحدود بين الكيانات البيولوجية والمادية والرقمية، بالتجاور مع ما صحب ذلك من تغوّل غير مسبوق لقيم الإعلام، ولاسيما المجتمعي، الذي أحدث جملة من الممارسات منها: ثقافة الإلغاء. هذا المصطلح يكاد يكون من أشد المصطلحات حضوراً في العلوم النفسية، كما أدبيات الإعلام. أشد ما تبرز ثقافة الإلغاء في وسائل التواصل الاجتماعي من منطلق أن الفضاء الإلكتروني أصبح يعدّ تضخيماً للفضاءات العامة القائمة – كما يصف برامود كيه نايار في كتابه (مقدمة إلى وسائل الإعلام) – وبناء عليه، فقد باتت هذه الفضاءات مجالاً للتنازع الشرس بين كتل من الثنائيات كالمجتمع المدني، والدولة، كما التيارات المحافظة والليبراليين، علاوة على أنصار البيئة، وحركات المطالبة بالعدالة والنسوية، وغيرها.. ومن هنا برز ما يمكن أن ننعته بالإلغاء الثقافي، فأضحت قيم النبذ تتجاوز الاختلاف الفكري أو الأيديولوجي، الذي كان – سابقاً واضحاً أو مبرراً – إلى ما هو أسوأ، ونعني النموذج التفسيري للعالم، كما الحكم تجاه الوجود والقناعات، بما في ذلك حرية التعبير الذاتي التي لا تندرج ضمن مشروع فكري، أو مرجعية أيديولوجية، ولاسيما في ظل تهاوي السرديات الكبرى. اضطلعت الذاتية بمحاولة تأكيد ذاتها عبر إلغاء الآخر، أو ربما من منطلق قناعات تعتمد منظوراً يعتمد ادعاء المعرفة والتخصصية، أو ما يمكن تفسيره بأنه نتيجة تشوه مرضي في الذات.. فهذا السلوك كان قائماً منذ القدم، غير أن الأدوات التي تمظهر من خلالها، بالإضافة إلى السعة التي أتاحتها الإمكانيات الجديدة قد جعله أكثر تأثيراً، كما أحدث طيفاً من الأضرار على المستويين: الفردي والجمعي.
ويستطرد الكاتب رامي أبو شهاب قائلا: قد تبدو ثقافة الإلغاء أو النبذ جزءاً من ممارسات عميقة تحتمل الكثير من الطبقات والتمايزات، التي تتحدد بالنوع والعرق واللون، والطائفة والطبقي والسياسي، وغيرها، لقد باتت قيم تعريف الذات والمرجعية جزءاً من هوية الإنسان، غير أن هذه المرجعيات تبقى جزءاً مصطنعاً، ومرفوضاً تبعاً للعقل والمنطق. لقد تسربت هذه السلوكيات في لاوعي بعض النخب التي ترعرع معظمها في كنف سلطات شربتها هذه الثقافة، بل إن هذه السلطات تكرست من خلالها، فما زال في وعي المجتمعات الكثيفة قيم الأبواق، والعصب، والمنفعة، وهذا لا يمكن أن يستقيم أو أن يتحقق ما لم نسارع إلى إلغاء الآخر، وتبني رؤية واحدة لا تعمد إلى قبول التمايز، ولهذا يذكر كولمار في كتابه أن الجماعات الدينية والشركات التجارية والحكومات، باتت الأكثر استثماراً في تبني المنظومات الرقمية، بغية تكريس الدعايات المتصلة بها؛ ولهذا فإن الفضاء العام لم يعد عاماً أو حراً… إنما هو فضاء تهيمن عليه تلك الكيانات التي تمتلك ذراعاً آخر لحجب خطاب الآخر، أو إزاحته نتيجة الإمكانيات المادية والتقنية، وعلى ما يبدو، فإن سعي الإنسان للبحث عن مناخات أكثر من حرية نتيجة استثمار أي تقدم تقني، أو علمي، أصبح يؤدي إلى نتائج عكسية. غالباً ما يتسم المثقف الساعي إلى تحييد المقولات الأخرى بسمتين: الأولى أن يكون ذاتياً إلى درجة العمى، والثانية أن يكون جزءاً من نظم ثقافية تقليدية رجعية، يمكن أن نطلق عليها شموليات ثقافية، وهي شموليات تنتج عن الإيمان بالسلطة الكلاسيكية، لكن هنالك سلطة أخرى قد تمنحها الجماهير التي قد تتخلى عن عقلها في بعض الأحيان كما يرى غوستاف لوبون، ولذلك فإن الوعي بسلطة الجماهير يتيح أيضاً تكريس هذه القيمة، فثمة في كل كيان شمولية ثقافية تمارس بتبادل المنفعة والمصلحة وإلغاء الآخر، بل مصادرة حقه بالوجود، إننا مسكونون بعصر الإلغاء، بل إن مقولة الإلغاء هي خاصية من خصائص قيم التقدم، حيث إننا نترقب ما يأتي من جديد ليلغي القديم، وكأننا في لعبة الوقوف على طابور بغية تمكين القادم كي يزيح من سبقه، أو ربما من يجاوره، أو ربما يمكن أن يعني شيئاً من التهديد. يبدو هذا الزمن أقرب إلى ممارسة قوة جذب نحو تأكيد الذات، ويمكن تشبيه ما يحصل بما شهدته المجتمعات الصناعية من استغلال للقوى العالمة مع انطلاق عجلة الصناعة، والتشيّؤ، والاستغلال المفرط للإنسان؛ ولهذا فإن مفاصل التاريخ دائماً ما تبدأ في هذا النمط من التشوّهات، وإذا ما أردنا أن نستجلب هذا إلى المناخ الثقافي، فإن ثمة تكريساً واضحاً في عصرنا لمقولة التغوّل، بهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب والشهرة، كما يمكن إطلاق هذه المقولة على المؤسسات الثقافية، التي تُركت في معظم دول العالم الثالث، أو النامية دون خطط تنموية تتوجه إلى الذات والمجتمع، إذ كانت الانشغالات في تكريس السلطة، والترويج لها، كما ممارسة الإقصاء لكل من تسوّل نفسه بالثورة، فنتج عن ذلك هذا النموذج من الذاتية المفرطة، أو ربما المطلقة. لا يمكن أن نقيس معنى وجود أي كيان ثقافي، تبعاً للنموذج الكمي، أو مقدار الشهرة التي يحققها، ولا لمقدار ما يمتلكه من حظوة المؤسسة التي ينتمي إليها، فليس المثقف أو العقل شيئاً يخضع للحكم أو القيمة أو السبق في هذا المعنى المجنح نحو السذاجة، فقيمة العقل تتحدد بقدرته على إحداث التغيير في الواقع السلبي. إننا نشهد بروز قيم ثقافة متغولة، مع غياب شبه تام لثقافة محايدة، لا ترغب في أن تعبر عن ذاتها بمقدار ما ترغب في أن تبقى في مجال المرضي عنها، هكذا بدأنا نلاحظ أن تغييب الآخر بات ثقافة منهجية من أجل صون مناخات الفساد بأشكاله: المعرفي، والقيمي، والثقافي، وهنا يمكن تعليل هذا التراجع الحضاري في الرقعة العربية.







السيد رياض الفاضلي
منذ 5 ايام
كيف تعامل المصطفى (ص) مع الشباب؟
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
تَهدِيمُ [البقيع] إِرهابٌ [حَضارِيٌّ]!
EN