ونحنُ نستذكرُ ميلادَ إمامِنَا عليّ بنِ الحسينِ زينِ العابدينَ (سلامُ اللهِ عليهما) ينبغي أن نستحضرَ جنبةً في غايةِ الأهميّةِ من جوانبِ حياتِهِ البارزةِ بعدَ فاجعةِ الطفِّ الأليمةِ التي لن يفنَى ذكرُهَا، حيثُ نلاحظُ أنَّ الإمامَ (عليه السّلام) نشرَ علومَ الوحي مِن خلالِ الدعاءِ أي جعلَ الدعاءَ وسيلةً لإيصالِ العلومِ الإلهيّةِ الربّانيّةِ، وتثقيفِ المجتمعِ الإسلاميِّ لإخراجِهِ مِن ظلماتِ بني أميّةَ إلى نورِ الإسلامِ الأصيلِ الذي حُفِظَ بدماءِ أبيهِ سيّدِ الشهداءِ وصَحبِهِ النُّجباءِ (عليهم سلام الله).
عند مطالعةِ تراثِ الإمامِ السجّادِ (عليه السّلام) الرّوائيِّ الشّريفِ، وبالأخصِّ الصحيفةِ المباركةِ المعروفةِ بـ(الصحيفةِ السجّاديّةِ)، نجدُ فيها الغِنَى الرّوحيِّ والسموَّ الأخلاقيَّ، فقد علّمَنَا الإمامُ (عليه السلام) كيفَ نتوجَّهُ إلى العليِّ القديرِ بكاملِ الخضوعِ والتسليمِ، وبأدقِّ المفرداتِ العميقةِ لاهوتيًّا، المتساميةِ ملكوتيًّا، فهو الذي يقولُ:
"اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمُلْكِ الْمُتأبِّدِ بِالْخُلُودِ وَالْسُلْطَانِ، الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ جُنُودٍ وَلاَ أَعْوَانٍ، وَالْعِزِّ الْبَاقِي عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَخَوَالِي الأعْوَامِ، وَمَوَاضِي الأزْمَانِ وَالأيَّامِ، عَزَّ سُلْطَانُكَ عِزًّا لا حَدَّ لَهُ بِأَوَّلِيَّةٍ، وَلاَ مُنْتَهَى لَهُ بِآخِرِيَّةٍ، وَاسْتَعْلَى مُلْكُكَ عُلُوًّا سَقَطَتِ الأشْيَاءُ دُونَ بُلُوغِ أَمَدِهِ، وَلاَ يَبْلُغُ أَدْنَى مَا اسْتَأثَرْتَ بِـهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى نَعْتِ النَّـاعِتِينَ.
ضَلَّتْ فِيْـكَ الصِّفَاتُ، وَتَفَسَّخَتْ دُونَكَ النُّعُوتُ، وَحَارَتْ فِي كِبْرِيِائِكَ لَطَائِفُ الأوْهَامِ، كَذلِكَ أَنْتَ اللهُ الأوَّلُ فِي أَوَّلِيَّتِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَنْتَ دَائِمٌ لا تَزُوْلُ".
ويعلّمُنَا كيفَ نصلّي على رسولِ اللهِ الأعظمِ وأهلِ بيتِهِ الطاهرينَ بأجملِ الصلواتِ، فيقولُ (عليه السّلام): "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ إِذَا ذُكِرَ الْأَبْرَارُ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، صَلَاةً لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهَا، وَلَا يُحْصَى عَدَدُهَا، صَلَاةً تَشْحَنُ الْهَوَاءَ، وَتَمْلَأُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرْضَى، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَعْدَ الرِّضَا، صَلَاةً لَا حَدَّ لَهَا وَلَا مُنْتَهَى".
ويرشدُنَا إلى كنوزِ الدعواتِ بقولِهِ (عليه السّلام): "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَوَفِّقْنَا فِي يَوْمِنَا هذا، ولَيْلَتِنَا هذِهِ، وَفِي جَمِيعِ أيّامِنَا، لاسْتِعْمَالِ الْخَيْرِ، وَهِجْـرَانِ الشَرِّ، وَشُكْـرِ النِّعَمِ، وَاتِّبَاعِ السُّنَنِ، وَمُجَانَبَةِ البِدَعِ، وَالأمْرِ بِـالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحِياطَةِ الإسْلاَمِ، وَانْتِقَاصِ الْبَاطِلِ وَإذْلالِهِ، وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَإعْزَازِهِ، وَإرْشَادِ الضَّالِّ، وَمُعَاوَنَةِ الضَّعِيفِ، وَإدْرَاكِ اللَّهِيْفِ".
ويحذّرُنَا بالتعوّذِ من فظائعِ الأمورِ فيقولُ (عليه السّلام): "نَعُـوذُ بِكَ مِنَ الْحَسْرَةِ الْعُظْمى، وَالْمُصِيبَةِ الْكُبْرَى، وَأَشْقَى الشَّقَاءِ، وَسُوءِ المآبِ، وَحِرْمَانِ الثَّوَابِ، وَحُلُولِ الْعِقَابِ".
وجميعُ ما ذكرْنَا غَيضٌ مِن فَيضٍ، فينبغي علينا إذًا أن نتمسَّكَ بهذا السِّفْرِ الملكوتيِّ المبارَكِ، وأن نلهجَ به لسانًا وقلبًا، ليلاً ونهارًا، وينبغي أن يقترنَ دعاؤنَا بعملٍ صالحٍ خالصٍ للهِ تعالى.







د.أمل الأسدي
منذ 4 ايام
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
جيل التسعينات الشعري وصراع الأشكال
EN